كورد أونلاين Kurd Online

صحيفة كردية إخبارية إلكترونية

القسم الثقافي

زهير كاظم عبود: التنقيب والنبش في التاريخ الأيزيدي القديم

25d825b725d825a725d9258825d825b325d925872b25d9258525d9258425d92583-7930495

القسم الأول

كمدخل للغور في عمق الديانة الايزيدية لمن يريد التعرف على تفاصيل اكثر سعة وعمق للكشف عن تاريخ نشوء هذه الديانة العريقة والغارقة في القدم ، ينبغي التوقف ملياً أمام ظواهر لايمكن لها ان تكون عابرة في الميثيولوجيا الايزيدية أو في ثنايا التأريخ المطمور .
مما يوجب متابعة الاسس الروحية والفكرية لهذه الديانة الغارقة في القدم والتي تجد لها الأمتداد والترابط من خلال الأعتقاد بالالهة المتعددة التي تتشكل دون الاله الكبير ( الله – خدا في اللغة الكردية ) ، وان الملائكة الارباب سبعة مع أهمية أعتماد الرقم في جميع الديانات ، ومن خلال تقديس بعض الظواهر الكونية ، ومن خلال الأيمان بالحلول والتناسخ ، ولايمكن الأقتناع أو القبول من أن مثل هذه الديانة تؤسس من الفراغ أو انها تشكلت من المجهول ، او أنها تكونت من رغبات شخصية أو ذاتية ، ومن يقرأ جزء من أسس الديانة الأيزيدية يستطيع ان يتلمس معالم ديانة لها جذور تدعو الى توظيف حركة الأنسان الى أعمال الخير ، كما تنظم حياته وفق هذا الأساس ، وتضع معايير لأعمال الحلال والحرام ، والذاتي دائماً يعتريه الخلل والنقص من خلال محددات الرغبة والقصد ، وغالباً ما ينتهي ويضمحل مع انتهاء الذات التي شكلته أو التي ساهمت في تكوينه لأنه يرتكز عليها ويستمد ديمومته منها ، غير أن المقياس الذي نستطيع أن نرسمه في سماء مثل هذه الديانة القديمة ، هي قضية التوحيد والأيمان بأن الله واحد وهو الخالق الأزل الذي خلق الكون وجلس على عرشه فوق الماء ، وتتمسك الأيزيدية بالتكوين التدريجي ، أذ تؤمن بأن الله خلق عدد من الملائكة ، وكل ملاك له وظيفته واختصاصه ، كما تؤمن الأيزيدية بأن الله خلق الكون من العناصر الأربعة ، وهي الماء والهواء والتراب والنار ، ومثل هذا الأيمان الدقيق في تفصيل اهمية المواد التي تتشكل منها الحياة ، لاتأتي أعتباطاً ، أنما تتكون من خلال دلائل عميقة تؤكد معرفة تفصيلية بالعقيدة والخلق وتفاصيل الكون .
ثمة من يسأل عن أسماء الأوائل الذين جاهروا بهذا الدين ، والذين نشروه بين الناس ، وثمة من يسأل أن كانت هناك أسماء قبل الشيخ عدي بن مسافر برزت في خضم الصراعات التي واجهت الديانة الأيزيدية ، فأن كان زرادشت قد نشر ديانته في المنطقة ، فأنه واجه الايزيدية التي تشبثت بديانتها ، وتباهوا من انهم اول من ابدل عبادة الظواهر الكونية باله التوحيد ، وهم ايضا اول من توصل لفكرة طاؤوس ملك ، فأطلق زرادشـــت على كل من لايؤمن بديانته لقب ( عبدة العفريت ) أو عبدة الشر ، ويمكن ان يكون زرادشت أول من أطلق هذه الالقاب التي لحقت بالأيزيدية والتي تم ترويجها واستخدامها للنيل منهم وايجاد الذرائع لقتالهم والقضاء على ديانتهم بعده ، علماً بأن الزرادشتية أتخذت من آلهة الظواهر الطبيعية ملائكة لها بينما تمسكت الايزيدية بالملائكة الخاضعين لارادة الله ، ومن الطبيعي ان يحدث التصادم والتأثير بحكم الوجود الفعلي لديانتين يدين بهما الناس في المنطقة ، غير ان الايزيدية بقيت قائمة ولم تتأثر بالدين الجديد بالرغم من الانتشار الواسع للزرادشتية واعتبارها ديناً للدولة الأخمينية والساسانية والميدية فترة لاتقل عن قرن من الزمان ، ويبدو ان العقلية الدينية السائدة كانت منفتحة وواعية وحريصة على التطبيق السليم في أقناع الناس بدلاً من إجبارهم وقسرهم على تغيير ديانتهم ، ولذلك لم نقرأ عن مجازر وحروب وملاحقات وقتل للأيزيدية مثلما حصل لهم في الزمن الحديث ، وبعد ذلك انحسرت الزرادشتية في حين بقيت الايزيدية قائمة رغم مالقيت من مصائب واهوال .
يقول الكاتب ماكس هورتن في كتابه الفلسفة ص 127 ان هناك من يذهب ليؤكد ان العقيدة الايزيدية ماهي الا تاكيد لعبادة النور وتمثل طورا للثنوية الفارسية القديمة والتي نراها واضحة المعالم في الزرادشتية والمانوية ، ولو كانت الايزيدية كما ذكر ماكس هورتن لصار تقديس الضوء أو النار بديلاً عن الأرباب وبديلاً عن تقديس طاؤوس ملك وحتى عن الخالق الاله الكبير ، ولكن الأشتراك الفعلي في تقديس الظواهر الكونية دون أشراكها بوحدانية الله فيما ورد حيث يكون الاله الكبير الخالق الأزل فوق جميع الأرباب وتليه المقدسات متدرجة حسب أهميتها وقربها من الاله دليل على تقادم هذه الديانات وأشتراكها في مكونات تناقلتها وألتزمت بها بدليل أن عبادة تموز كانت شائعة في وادي دجلة وفي المنطقة المحيطة بجبل سنجار وحتى نصيبين ( مجلة المقتطف المجلد 49 سنة 1916 ص 325 ) بالاضافة الى الفوارق الكبيرة في تشكيل صفات الاله تموز لدى البابليين وبين صفات وشكل طاؤوس ملك لدى الأيزيدية .
كما أن أسماء الالهة التي كان يطلقها الأيزيدية عليها ينسجم مع أسماء الالهة السومرية والقديمة ، فالالهة آنو وأنليل ( اله الشمس ) وأنكيدو ونانا وأنانا وآتو ، والتي تزاحمت فيما بينها ليحل احدها محل الاخر كان كل منها يشير الى معنى معين في الفكرة الاساسية ، فانانا سيدة السماء والهة النور ، وتمـــوز العائد من الموت دليلاً على عدم فناء الروح التي تعود حتما ، كما ان انكيدو صار بشرا حين اكل القمح الذي عده القدماء وشاركهم الايزيدية بهذا الاعتقاد مقدساً ، وهذا الأمر يدحض الأفتراض الذي يزعم أن الأيزيدية مذهب منحرف أنشق عن اليهودية أو المسيحية أو الأسلام ، وتمسك الأيزيدية بالتناسخ والحلول دليل على أنها كانت تلتزم بهذا الأعتقاد قبل أن تحل كلا الديانتين ، وهذا الأعتقاد ربما يخالف العديد من الديانات التي سادت في المجتمعات في القرون الأخيرة حين حل الدين الأسلامي وماقبله من العقائد التي لاتؤمن بالحلول والتناسخ ، وهذا الأمر يقود للأعتقاد بأن الديانة الأيزيدية كانت تعتقد في عقيدتها على خلاف كبير مع الديانات والعقائد الأخرى ويمكن أعتبار قضية تقديس الشمس في العقيدة الأيزيدية من القضايا التي لم تلتزم بها الأديان المتسلسلة ، كما نلفت الأنتباه الى قضية غاية في الأهمية تكمن في قضية الأنغلاق الديني للعقيدة الأيزيدية حين لاتقبل الأنتماء اليها من خارج ابنائها ، كما لاتقبل عودة من خرج منها لأي سبب كان ، بالأضافة الى محرمات صارمة للزواج بين الطبقات الايزيدية نفسها ومع هذا الأمر الصارم بقيت الأيزيدية تتكاثر وتتوسع يوماً بعد يوم ، ولم تلتزم بهذه الطريقة في محرمات الزواج سوى الديانة المندائية فقط من بين الاديان ، وهي ايضا من الديانات العريقة والقديمة التي حافظت على قوامها الديني وحيويتها ، بينما أحل الأسلام الزواج من غير المسلمات وأحلت المسيحية الزواج من غير المسيحي مع بقاء المسيحية على دينها ، وجعلت اليهودية الأبناء من الزوجة اليهودية المتزوجة غير اليهودي يتبعون دين أمهم اليهودية فهم يهود بالولادة .
وتشكل فكرة الرمز ربما اشتراك مع بقية الديانات ، غير أن رمزية طاؤوس ملك وما يعنيه ويشير اليه في الميثولوجيا الأيزيدية ، يعبر عن خصوصية هذه الديانة وقدمها ، ومن اللافت للنظر أن يكون الطاووس رمزاً منرموز الديانات القديمة كالديانة السومرية وكان على الاغلب يمثل فكرة الخير والجمال ، ولم يكن يشير الى الشر التي يتناقض معها مطلقاً ، وحين صارت الايزيدية تسمي الملاك الكبير طاؤوس ملك قبلة التقديس ، اتهمهم اعداؤهم بعبادته اولا ومن ثم افتراءهم من كونه اشارة الى ملك الشر ، واذا كان الايزيدية يحتفلون بعيد راس السنة كل عام والذي يصادف اول يوم اربعاء من نيسان الشرقي ، لكون هذا اليوم في اعتقاداتهم الدينية يوم خلق الملاك طاؤوس ، مما يوجب نبش العديد من التلال التأريخية لمعرفة المزيد من الحقائق عن هذه الديانة ، فليس اعتباطاً أن ينتشر أتباع الأيزيدية في عدد من البلدان المجاورة للعراق ، مع ان ثمة من يجد أن هذا الأنتشار سببه الأضطهاد الديني والملاحقة وهروب الأيزيدية بأرواحهم من الموت الى تلك المناطق ، غير أن أيزيدية لم يزلوا يقيمون في مناطق أرمينيا ( أريفان ) وفي تركيا وسورية ، بل هناك أقوام تتشابه مع ما يعتقد به الأيزيدية في الهند وفي جمهورية الصين ، ولعلهم حقاً من الأيزيدية ، غير أن التباعد والغربة وعدم وجود ترابط بينهم أدى الى عدم انسجامهم وتطابقهم ، مع أن هناك قواسم مشتركة في بعض العقائد والطقوس والأمر بحاجة الى تحقيق وتدقيق .
يتحدث بابا الأرمن في أرمينيا ( فاسكين الأول ) بتاريخ 11/9/1992 فيقول : أن الأيزيدية في ديارنا موجودين منذ القدم ، وهم من اهل أرمينيا المنسجمين مع بقية الديانات ، ومن المشتهرين بالنزوع نحو الخير ، وعددهم في أرمينيا لايستهان به ، وكان عدد من عائلة الأمراء قد زارهم والتقى بهم وحثهم على الأتصال بالقيادة الدينية للأيزيدية .
ولايغب غن بالنا المعاني الدقيقة للأعياد والمناسبات الدينية لدى الأيزيدية ، والعديد منها تترابط نع الأعياد التي يتمسك بها السومريين والبابليين القدماء في وادي الرافدين ، بالأضافة الى حلول العديد من الأساطير التي كانت سائدة في العراق القديم بين الأيزيدية ، ولم تزل المجتمعات الايزيدية تتداولها كنمط من أنماط التراث الشعبي .
ثمة من يسأل عن الفترة التي سبقت مجيء الشيخ عدي بن مسافر قدس الله روحه الى لالش ليجدد الديانة الأيزيدية ، ثمة من يلح في كشف تلك الفترات التي تعاقبت منذ انتشار الديانة الأيزيدية بين الناس ، وعلاقتها بالديانة الزرادشتية التي حلت في منطقة فارس وكردستان وأنتشرت بشكل واسع وعميق ، ثم علاقتها بالديانة اليهودية التي كانت منتشرة في كل المنطقة ، وخصوصاً في منطقة كوردستان قبل ان تحل الديانة المسيحية ، وهي كما نعلم من الديانات التبشيرية ، بالأضافة الى مجيء الاسلام وأنتشاره بين المنطقة ، وأيمان الناس به بالأضافة الى كون الأسلام من الديانات التي تقبل الأيمان والأنضمام به ولايقبل الخروج او الأرتداد عنه ، ومع مجيء مثل تلك الديانات ماهو تأثيرها وفعلها على الديانة الأيزيدية ، وماهو القاسم المشترك بينها ؟ وكيف تعاملت تلك الديانات بينها ؟
وحين يتم اختلاق القصص حول اصل المعبد المقدس ، فأن الأمر لايعد الا الأستمرار في منهج التحريف وأعماء الحقائق بحق الأيزيدية ، ولو تركنا معبد لالش وتربة الشيخ عدي بن مسافر ودخلنا الى تلك الغرفة المنقورة في الجبل والتي تضم اصل المعبد كما يقول الباحث والاثاري السيد عبد الرقيب يوسف ، مع ان بعض الاثاريين اشاروا من انها مخزن لحفظ زيت الزيتون الذي يستخدم لانارة المعبد ، كما انهم لم ينتبهوا الى الاشكال والرموز المنقوشة على الجدار الغربي للمرقد ، وقد يكونوا أنتبهوا وصرفوا النظر ، ولكن الحقيقة الواضحة تكمن من كون موضع ( الجله خانة ) المؤلف من عدد من الغرف الغارقة في الظلام الدامس هي قديمة أقدم من قبر الشيخ عدي ومن كل بناء المعبد الجديد ، ويذكر السيد عبد الرقيب أن جوانب وأسطح بعض الصخور منقوشاً عليها رسوماً للشمس وبعض الأشارات الدينية القديمة الأخرى ، ولو كانت تلك الرموز تخص ملة من الملل في اقصى الأ{ض لتمت دراستها وفحصها والأهتمام بها ، ولكن الأمر يختلف مع الأيزيدية الذين ظلمهم الزمن وتكالبت عليهم المحن وجار عليهم الناس المجاورين لهم .
كما كنت قد شاهدت مع كريفي الأيزيدي الأستاذ عمر خضر حمكو في العام 1994 نقوشاً وكتابات أيزيدية على الجدار الخارجي للمعبد المقدس ، وهي بارزة ولافتة للنظر ، غير أن الطبيعة كانت تعمل على أخفاء معالمها وأتلافها لتعرضها للمطر والشمس والتقلبات مما يتلفها ويجعلها في طي النسيان ، ولم نكن نحمل جهاز تصوير حينها حيث كانت زيارتنا للمعبد سرية دون علم السلطة التي ربما حكمت علينا بالموت وهي تعلم بأن قاضياً يزور معبد الأيزيدية المقدس الواقع ضمن منطقة كوردستان المحررة .
ومن هذه النقطة نعود نكرر ندائنا الى المنظمات الدولية والجهات المختصة في الأمم المتحدة ونوجه أنظارها لما يحتويه المعبد المقدس وما يجاوره من التلال من أسرار ونقوش ورسوم جديرة بالدراسة والحفظ لكونها تعود لأزمنة غابرة وقديمة سحيقة ، وأن لم تكن بقصد البحث والتقيب الاثاري لأثبات قدم الديانة الأيزيدية ، فأنها خدمة للأنسانية والتراث البشري .
وبأستثناء محاولات الدكتور الباحث خليل جندي وهي من المحاولات الجادة والمهمة لم يحاول أحد النبش في التأريخ الأيزيدي القديم ، مع ان الباحث والمفكر السوري الموسوعي فراس السواح ساهم في أرساء دعائم التحليلات واسماء الالهة والبحث في ماهية الديانات ومنشا الدافع الديني في كتبه العميقة مغامرة العقل الاولى ولغز عشتار ودين الانسان ليؤسس ارضية تاريخية للبحوث التي تريد النبش في تاريخ الديانات القديمة ومنها الايزيدية على سبيل المثال .
وأذا كنا نستطرد العلاقة بين الديانة المثروية التي سادت في مدينةالحضر ( Hatra ) ، والتي كانت ضمن مناطق أنتشار الديانة الأيزيدية ، وبتدقيق المتقاربات بين الديانتين وقوة التأثير التي تجسدها الطقوس والأعياد ، سنجد العديد من الشهادات والقرائن التي تدلل على وجود الأيزيدية في مناطق الحضر ومنها تسللت الى مناطق شرق سوريا ، ومن يتمعن في طقس التضحية مع ان الطقس يمكن ان يكون قاسماً مشتركا بين الديانات ، الا أن اشتراك المثرائية مع الديانة الأيزيدية من أن يكون التضحية بثور ، حيث كان اهل بابل يتمسكون بالتضحية بالثور بينما لم تتمسك بمثل هذا بقية الديانات .
وكان الأعتقاد الروحي متجذراً منذ اللحظات الاولى للخليقة ، فقد كان الأنسان دائما بحاجة الى إلهام ودوافع روحية يؤسس عليها أعتقاده ، ويتمسك بها لتعينه روحياً على موجبات الحياة والطبيعة وظواهرها الخارقة ، ومع هذه الأعتقادات الروحية تتطور العلاقة بين الأنسان والالهة أو الرموز الروحية ، وبين الذات الأنسانية وبين التطور الأنساني في فهم الدوافع الروحية للأعتقاد في وجود خالق للكون ونظام يكون الانسان جزء منه .
واذا كان الله هو الخالق الازل الذي يقول للشيء كن فيكون فانه حين يخلق الانسان ويسويه يلهمه الفجور والتقوى ، وحين يخرج الأنسان الى الدنيا يحمل بين جنبات روحه بذور الخيرونوازع والشر ، أذن أن الله لم يرد أن يزرع الشر بين الناس ولايعقل ان يعلمهم بأرادته أن يرتكبوا أفعال الشر ، انما يلهم الأنسان ويترك له الخيار في السلوك ليتحمل وزر أعماله فلا مقيد له ولامسير أجباري لأن أعماله تسجل له في اللوح المحفوظ ليحاسب عليها ، ولو كان مقيداً ومجبراً على أرتكاب المعاصي وأفعال الشر لما بقي هناك منطق او قبول محاسبته .
ولهذا فقد كانت جميع الأديان تدعو للأصلاح والتمسك بقيم الخير وأشاعة المحبة والتآلف بين الناس والحرص على الحياة البشرية والسلام والتأكيد على تجنب قيم الشر وكل الافعال التي تحدث ضرراً للأنسان ، كما تزين الحياة الأخرى ، فأنها تتوعد لمن لايتمسك بهذه القيم بالعذاب الأبدي .
وأذا أسلمنا بأن الأيزيدية تؤمن بان الله واحد وهو خالق الكون ، مما يجعل هذه الديانة من الديانات التوحيدية التي لاتشرك مع الله احد في كل الأمور ، وهي أضافة الى هذا الجانب تهتم بالحياة البسيطة التي تتناسب مع بساطة الحياة التي يعيشها المجتمع الأيزيدي ، وكل المغالاة تم أضافتها بشرياً ودنيوياً لأسباب أجتماعية أو لظروف مر بها المجتمع الأيزيدي ولاعلاقة لها بالدين ، مما يوجب أستقراء الماضي بدقة وذهن صافي متخلص من تخرصات وعقد الفترات التي اشاعت الدجل والتي انتشرت بين الناس بقصد الحط من قيمة ديانة تدعو للتوحيد وتؤمن بكل المقدسات ودون ان تحط او تنال من اية ديانة أخرى .
كما يتمسك الايزيدي بطلب المعونة من الله الكبير الأزل ، فانه لم يزل كغيره من البشر ممن يؤمنون بديانات وعقائد أخرى ، يطلب المعون والمدد من أولياء وملائكة ورموز تقل عن درجة الالوهية ، وفي هذا الأمر انسجاماً مع المطالب النفسية للأنسان غير بعيد عما تمارسه الجماعات البشرية في العديد من الديانات .
كما تشكل قضية المكان المقدس والرمزية في الديانة الأيزيدية ، قضية مهمة ودقيقة ، قد تتشابه فيها مع عدد من الأديان ، ممن تتبع قضية المكان المقدس الذي لايمكن تغييره ويرتبط بالأساطير والقصص التأريخية ، وكذلك بالرموز التي أكثرت منها الأيزيدية بحكم انعزالية مجتمعها وتعرضه للعسف والقتل ولجوءه الى الكهوف والحياة المحفوفة بالمخاطر ، وبقاء الأنسان الأيزيدي تحت رحمة وفتاوى رجال الدين ووفق مشيئتهم ومصلحتهم .
ولم نجد من بين الكتابات الأيزيدية القديمة كتابة جريئة تعزز الوجود الأيزيدي القديم قبل الديانات الأخرى ، ليس لعجز في الأثبات ، ولاتقصيراً في نبش زوايا التأريخ الأيزيدي ، وانما تخلصاً من حكم الذبح والموت الذي يصدر بحق الكاتب ، وعدم قدرة الاقلام العلمية من الخوض في غمار الحقيقة والتصدي للزخم المظلم الذي يعم عقول المجتمع في ذلك الزمن ، ممايجعل الواجب اليوم أن يتحمل المثقف ( مهما كان دينه او قوميته ) واجبه الضميري في التنقيب وأغناء الحقائق وأثراء المكتبة والدوريات ببحوث ودراسات من شأنها أن تحقق ليس فقط الفائدة ، وأنما تنوير العقول التي لم تزل تعتقد بصدقية الثقافة الظلامية التي كانت سائدة .
والظاهرة الملفتة للنظر في المجتمع الأيزيدي هي قضية المساواة والتقشف التي يعيشها المجتمع القديم ، فلا آثر للغنى والفوارق الطبقية ، والتراتيبية الدينية لاتقسم المجتمع الأيزيدي طبقياً بقدر ما أنها سعي لتكريس وضع ديني يؤسس الحياة الأيزيدية ببساطتها ، مما يجل رجال الدين يحكمون قبضاتهم على المجتمع الرازح تحت قيادتهم ، وهم بدورهم فوضوا الأمر الى أمير على مر العصور .
ووضع مثل هذا لم يزل سائداً مع فارق بعض التطورات الراهنــة التي افرزها التطور الأنساني ، لايمكن أن يكون دون وجود رابط روحي قوي ومتماسك ، والدليل الذي كان يراهن العديد عليه ، أن الأيزيدية في العصر الراهن الحديث ، وبالرغم من التطور الثقافي والأنفتاح وبروز طاقات وعقول متنورة ومثقفة ، الا انها لم تزل يشدها الرابط الروحي مع ميل نحو التطور وتهذيب مالحق هذه الديانة من تشوهات ، ومالحقها من أساطير وقصص وروايات سلبية لاعلاقة لها باساس الديانة الأيزيدية ، ولم يزل الأيزيدية يتمسكون بالتقويم الشرقي ، وهذه السنة تسبق السنة الميلادية بثلاثة عشر يوماً ، وهذا التقويم يسبق التقويم الميلادي .
ومن بين أهم القضايا التي ينبغي دراستها وتحليلها ، العلاقة بين الظواهر الكونية وبين الأيزيدية ، أذ ليس من المعقول ان تنشأ علاقة أزالتها الديانات التي لاتقديس لها للشمس مثلاً ، لتعود للتقديس عند الأيزيدية ان لم تكن مؤسسة قبل تلك الديانات .
كما أن ظاهرة الموت وهي اللغز الكبير الذي يرافق متزامناً مع الولادة ، أذ تقف الأيزيدية متمسكة بقضية عدم نهاية الروح مع الجسد الفاني ، أذ ان دورة الحياة لم تزل قائمة ، مما يستحيل معه نهاية الناس قبل المعياد الكبير ، ولهذا فأن الأرواح التي تبقى هائمة فوق المكان المقدس عند الأيزيدية ، حتى تجد استقرارها وفقاً لطبيعة ما قدمته من عمل ، ووفقاً لتمسكها بمباديء الخير وقيم الديانة الأيزيدية ، ومن الطبيعي ان تلقى النفس المحبة للخير والسلام والمحبة لتكون روحاً تحل في جسد جميل وسعيد وكريم ، على العكس من ذلك تكون الروح التي دنسها الشر والأعمال المنكرة التي حذر من ارتكابها الدين الأيزيدي .
ولم تزل الديانة الأيزيدية تتمسك بالأبتعاد عن الملذات النفسيــة في الكثير من الطقوس والشعائر ، بالأضافة الى كون طبقة من رجال الدين ممن ينذر حياته للتقشف والتصوف والأفتقار والذل والمسكنة والصيام وعدم التفكير بالتملك ، مما تفتقدهم الديانات الموجودة في منطقة كوردستان ومايجاورها من البلدان .
واذا كانت الديانة المندائية تقدس الماء الجاري ، فان الايزيدية تقدس النور والشمس مما يؤكد علاقة هذه الاديان بالظواهــر الخارقة التي كان الانسان السحيق يقدسها ويعتقد بقدرتها الخلاقة ، علماً بأن كلا الديانتين تؤمن بوحدانية الله كما ان فلسفة الوجود وما يترتب على الكائن من قدرة على العودة لممارسة الحياة وهي فكرة تنبع من اصل العقيدة الايزيدية مع ايمان الايزيدية بالجنة الخالدة ، وتسري الظاهرة المذكورة على الحيوان والانسان وعلى الطبيعة ايضا ، اذ يعتقد الايزيدية ان الله الذي خلق الكون لم يأمر بنهايته ، ولهذا فان فلسفة انفصال الجسد عن الروح التي آمنت بها ديانات قديمة وحضارات قديمة لم تزل راسخة في العقيدة الايزيدية .
ومن يستقرا الاعياد الدينية لدى الايزيدية يتاكد من نفاذ ما له علاقة بالطبيعة فيها ، اذ تجد ان للقمح اثرا مهما في عيد خدر الياس وعيد البيلندا ، وقد يقسم الايزيدي بالقمح ومن لاياكل القمح حسب اعرافهم لادين له ، كما يبالغ اخرون من ان سر الملاك طاووس ملك يكمن فيه لقدسيته ربما لأضفاء نوع من القدسية العالية الرمزية على القمح والخبز بأعتباره مادة أساسية في الحياة ، و كما يدخل في صناعة الخبز المطلي بالدهن ( صه وك ) ، وفي ملحمة كلكامش حين اقنعت المراة الاله انكيدو ان يأكل الخبز المصنوع من القمح ، تحول حينها الى كائن بشري وفقد منزلته الالوهية ، مما يجعل للقمح مكانة مقدسة بين الايزيدية ، بالأضافة الى وجود نبع ماء في لالش يعتبره الأيزيدية نبعاً مقدساً ويسمونه ( زمزم ) ، وهذا النبع قديم لم يزل جارياً حتى اليوم من أغوار الأرض وأعماقها السحيقة ولم يتم التعرف على مصدره وأساسه ، وفي كل الأحوال فأن الديانة التي تجعل من الظواهر الطبيعية ركناً مهما ً في طقوسها ومقدساتها لايمكن ان تكون من الديانات الحديثة التي أعتبرت هذه الظواهر جزء من الحياة والكون ونهت عن عبادة هذه الظواهر وتقديسها ، ولايمكن لديانة حديثة ان تتراجع عن ديانات حديثة أخرى لتتمسك بما يخالف زمنها وظروف انبثاقها قطعاً لأن التمسك بالقديم أكثر منطقياً من التعارض مع الجديد ، ويمكن ان نتفق مع ماذهب اليه الباحث الدكتور خليل جندي من ان الديانة الايزيدية من ديانات الطبيعة ومن ديانات التوحيد الاولى ، ( أنظر مقالة للدكتور خليل جندي بالصفحة 22 من دورية روز العدد الاول 1996 ) ، لأن الأشارات والعلاقة الخيطية التي تربط الأيزيدية بالديانات القديمة التي تعتمد عبادة الظواهر الكونية علاقة مشتركة في العديد من ظواهرها ، مما يوجب البحث أكثر تفصيلاً وعمقاً من هذه الناحية .
ولعل العلاقة المشتركة بين الديانة الايزيدية والمجتمع البابلي في تقديس يوم الاربعاء تشير لنا امتداد هذا التقديس الذي لم يجد له اثراً في الديانات التي تتالت على المجتمع في المنطقة ، فالحية السوداء المنقوشة على الصخر في الجانب الايمن من الباب الخارجي للمعبد المقدس والتي تخرج من بين الصخور لترتفع الى الاعلى التي رسمها الايزيدية على باب معبدهم المقدس لم تكن من غير معنى ، فقد كانت المعابد البابلية تعتمد الحيـة لحراسة بوابات المعابد والمقابر ، بالأضافة الى تكثيف للمعاني الرمزية في الديانة الأيزيدية والتي ترتبط بظواهر حياتية او كونية أو تتعلق بقدم المجتمعات التي تؤمن بمثل هذه الديانات ، أذ تشكل الحية السوداء في الديانــــــة الزرادشتية علامة للموت والحياة وورد ذكرها في كتابهم المقدس ( الأفستا ) ومن بعده الزند .
وقصة الخلود في الاساطير البابلية واضحة في سعي كلكامش للحصول على عشبة الخلود وبقاء الشباب والحياة بشكل دائم ، وبعد ان عثر كلكامش على عشبة الخلود في عمق البحر وتمكنه من استخراجها سرقتها الحية التي كانوا يعتبرونها خالدة لأعتقادهم أنها تتجدد وتغير حياتها بتغير جلدها كل عام ، كما ان الحية كم ورد في القصص هي من انقذت سفينة نوح من الغرق بأن ادخلت جسمها في الفتحة التي كادت ان تغرق السفينة بمن عليها وتنتهي الحياة البشرية كما تروي الاساطير القديمة ، وكان المصريين القدماء يضعون الافعى فوق تيجان رؤوس ملياكتهم وملوكهم من الفراعنة ، وكما لقصة عصا سيدنا موسى التي تحولت بقدرة الله الى افعى التهمت كل افاعي السحرة في ذلك العهد ، ولاشك أيضاً أن القصة التي تداولتها الكتب المقدسة والاديان من تمكن الحية اغواء آدم وحواء ليأكلا من الثمرة المحرمة وليخرجا بعدها من الجنة دليلا اخر على مكانة الحية المهمة في الوجود والخليقة ، ويبدو ان مجتمع الأيزيدية أكثر من نسج الأساطير عن الحية وعلاقتها بالموروث الأجتماعي والأساطير الشعبية التي يتداولها الأيزيدية ، ولايغب عن البال علاقة الحية بالرمز المقدس طاؤوس ملك أو بالاساطير الدينية التي تداولها رجال الدين الايزيدي حول قدسية الحية كقوة نازعة للخير في حين صورتها بعض الاقلام والعقول المريضة انها رمز للشر .
ولاشـك ان معبد ( ايزيدا )( ويعني البيت الرفيع – الكاتب ) في مدينة بورسيبا الواقع على نهر الفرات مقابل مدينة بابل حيث كان يعبد الاله مردوخ والذي قلل من شانه وجود هذا المعبد بالنظر لتعدد الالهة التي تختص كل واحدة منها بظاهرة كونية محددة ، وبالأضافة للتعدد فأن تنوع اعتقاد الناس بوجود قوى خفية وكامنة في ارواح الالهة جعل قضية تقديسهم ورفعتهم في البيت الرفيع معبد ايزيدا اكثر من تعظيمهم للاله البابلي مردوخ ، وفي نفس الوقت أنتشرت عبادة نابو في بلاد آشور التي تشمل منطقة الشيخان والزابين والجزيرة ، فأقيمت تماثيله في مزارات بنيت لهذا الغرض ، وفي نهاية القرن التاسـع قبل الميلاد بلغت هذه العبادة على ما يبدو اوجها ، فنجد أن لنابو هيكلا في كالح ( نمرود ) وهي لاتبعد عن لالش بأكثر من سبعين كيلو متر ( جورج حبيب – بقايا دين قديم ص 17 ) ، ويسترسل الباحث جورج حبيب ليذكر بان مذبحا مكرسا للاله نابو كان في ( قرية شدوة ) التي تحولت الى شنكار ( قضاء سنجار ) وان احد قادة ( تراجان المدعو شاور الثاني ) شاهد الطقوس التي يؤديها اهل المنطقة تكريما للاله نابو في بداية فصل الربيع ، ولن نستغرب ان عرفنا أن عبادة الشمس والظواهر الكونية كانت منتشرة في النمرود ، ومن الطبيعي ان تنتقل العقائد مع انتقال من يعتقد بها ، وفي انتقال الاقوام التي تعتقد بالديانات القديمة في منطقة شمال آسيا الى مناطق البابليين حيث كان هؤلاء القوم يعبدون ( اله السماء دياوس او تياوس ولاحظ أن الكلمة قريبة من لفظة تاووس أو طاؤوس ) ( TAOOS ) ، بينما كان اهتمام البابليين اضافــة للاله ( نابو ) فانهم يعبدون ( الاله شمش والاله سين والذين يعنيان الشمس والقمر ) ، ومن يدقق في أسوار المقابر البابلية يجد انها تحتوي على فتحات على شكل مثلث للسماح بدخول ضوء الشمس الى باحة المقبرة ، وهو نفس ما نجده اليوم في مقابر الأيزيدية القديمة وأضرحة الاولياء والرموز الدينية والتي بدأت تندثر ودون أن تلقي العناية والأهتمام من المؤسسات العلمية والعالمية التي أهتمت برمزيات وآثار أقل قيمة وأهمية منها .
وأذا تتبعنا سفر التكوين في سيرة النبي أبراهيم عليه السلام ، وأتفقنا على ولادته في أور الكلدانيين والتي لم يختلف عليها سوى القليل ، فأن أبراهيم واخوته ووالدهم تارح غادروا أرض الكلدانيين وأتجهوا الى أرض كنعان حيث مات والدهم فيها ، غير أن ابراهيم عاد ليغادر أرض كنعان لتتبارك به جميع أمم الأرض ، ومن النصوص التي حفظها العهـــد القديم ماورد في كتب ( المشنا القديمة ) ( وهي نصوص تحفظ عن طريق الذكر والأستظهار تخصص بها رجال الدين ) ، ولم يعتمد هذه الطريقة التي تحملها رجال الدين سوى الأيزيدية من الأديان ، وقد مارسها رجال الدين والفقهاء العبريين المنفيين في بابل ، ويبدو أن الأشتراك والتشابه في طريقة حفظ النصوص الدينية بين الديانتين يجعل من المتابع دفع أحتمال وجود الأيزيدية منذ العهد البابلي والعبري القديم حيث لايمكن ان تكون الطريقة التي تم اعتمادها اعتباطاً أو بالصدفة وخصوصاً أذا ما وجدنا عدم التزام جميع الديانات التي تتالت على المنطقة بهذه الطريقة .
ومن المفيد الأشارة الى أن الأيزيدية تعتبر أن أبراهيم الخليل هو من أسس ديانتهم ونشر مبادئها ومقدساتها اليهم ، وبالنظر لكون النبي أبراهيم أعتقد في باديء الأمر أن النجوم هي الرب ، فلما طلع القمر قال هذا هو الرب ، فلما أشرقت الشمس قال هذا هو الرب وليس تلك التي شاهدتها من قبل ، فلما أفلت قال أن من خلقها هو الرب ، وما النجوم والقمر والشمس الا مخلوقات مقدسة وأزلية للرب الأزل الذي يسيرها ويخفيها ، وهو ما تعتقده الأيزيدية اليوم من كون النجوم والقمر والشمس من الظواهر المقدسة التي اوجدها الله خالق كل الأشياء .
ولم يكن للنبي أبراهيم عليه السلام نصوصاً محفوظة ومنسوبة اليه ، ولهذا فأن ماتبنى أستمرارية العمل في القيام بالشعائر والمراسم والطقوس هم رجال الدين المتخصصين في هذا المجال ، ودون أن يجرأ احداً منهم بزعم أنه موكل من النبي أو من غيره ، وهم جميعاً من البشر المنتمين الى أحد الطبقات الدينية التي يختص بها الدين الأيزيدي ويتمسك بها تمسكاً صارماً ، فالتراتيبية الدينية من أسس المجتمع الايزيدي ، ولم يخرج من رجال الدين من لايحث على الأصلاح والأستقامة وعبادة الله وملائكته السبعة .
والأيزيدية من الديانات التي لم تعبد الأوثان أو الأصنام ولا اتخذتها علامات ورموز كغيرها من الديانات القديمة ، مع أن والد النبي أبراهيم كان صانعاً للأصنام ، وتذكر القصص أنه قال لأبيه أن النار أحق بأصنامك من عبادتها ، ولكنه لم يحسب النار ألهاً لأن الماء يطفئها ، ولم يحسب الماء ألهاً لأن الارض تبتلعها ، ولم يحسب الأرض آلهاً لأن الشمس تجففها وتنشر أشعتها فوقها ، ولم يحسب الشمس آلهاً لأن الظلام يحجبها ، ولم يحسب القمر والنجوم آلهة وأنما الاله القادر على كل شيء هو خالق الشمس والقمر والنهار والأرض وماعليها ، وكان اهل اليونان يعبدون من الكواكب المشتري ويطلقون عليه أسم ( جوبيتر ) بمعنى ابو الاله ، وكانت الديانة الزرادشتية قد جارت الأيزيدية في إتخاذها الهة أعوان كل من الاله ديو و اهورامزدا وهما يستمدان قوتهما وسرهما من الاله الكبير ، غير أن الأيزيدية أعتبرت الملائكة السبعة هم المكلفين بشؤون الدنيا بأمر الاله الكبير ، مع أن كلتا الديانتين تؤمنان بوجود الصراع الأزلي بين الخير والشر ، وأن الأنتصار في النهاية سيكون للخير .
وتشترك كلا الديانتين أيضاً في أختيار الضحية ( المقدسة ) ثوراً تحديداً وليس غيره من الحيوانات ، أذ لايشترط في الضحية أن يكون ثوراً في بقية الديانات ، بينما يشترط حتماً أن تكون التضحية عند الأيزيدية بالثور في كل عام ، والثور يدل على اعادة الحياة وقوة الخصوبة لدى البابليين .
غير أن مايلفت النظر أستمرار بناء القبور والأضرحة المقدسة على الشكل المخروطي بما يجعل الشمس تنزلق الى كافة جوانب القباب ، وبقي البناء المخروطي مستمراً حتى في زمن الخلافة الأسلامية حيث قبر السيدة زبيدة وبعض الأضرحة ، ثم التفت المسلمين الى شكل القباب والمآذن التي أتخذت شكلها الذي وصلنا ، وقضية الأقتباس والتقليد مسألة غاية في الأهمية وتدل على تحديد الفترات الزمنية ، ولو كانت الأيزيدية قد تشكلت بعد مجيء الشيخ عدي أو بعد مجيء الأسلام لما أستطاعت الشذوذ في شكل البناء المتميز واللافت للنظر وعلى الشكل المخروطي ، كما أن جميع الدراسات والأبحاث والتحريات الآثارية تشير الى أن المكان المقدس وجد وبوابته الرئيسية تواجه مشرق الشمس ، وقباب الأضرحة بهذا الشكل المخروطي المتميز لم تتغير مطلقاً ، وخصوصاً أذا عرفنا بالواقع الأجتماعي والديني والسياسي الذي كان يعيشه المجتمع الأيزيدي الذي يمنع تطوير العمارة والبناء والأهتمام بها بالشكل الذي وجدت به منذ ذلك الزمن السحيق .
أن الاشوريين والأكديين والبابليين والكلدانيين هم أفواج متلاحقة على فترات متباعدة تتراوح الفترة بينها بين 600 – 1000 سنة ، واقدمها ما أقام في الشمال ، لأن الأقاليم الشمالية في وادي النهرين كانت أخصب الأقاليم وأصلحها للزراعة والمرعى خلافاً لأقاليم الجنوب التي كانت مغمورة بماء البحر المالح وظلت كذلك زمناً طويلاً قبل أن ينحسر عنها الماء وتصلح فيها الأرض للسكن والزراعة ، ومن شمال العراق كانت قبائل المهاجرين الاوائل تنحدر الى بادية الشام أو الى شواطيء البحر الأبيض المتوسط ، ولم يظهر لنا مايدل على هجرة كبيرة من طريق الحجاز وشواطيء البحر الأحمر قبل الدعوة الأسلامية ( انظر عباس محمود العقاد – أبراهيم ابو الأنبياء / مطابع دار الهلال ص 120 ) .
فأذا كانت هذه الهجرة تأتي من الشمال !!! فأي دين كان يدين به المهاجرين الى تلك الأصقاع ؟ وأي تأثير ديني نقله المهاجرين معهم ؟ وأذا كان القوم يتحدثون بلغة تختلف عن لغة أهل الجنوب فكيف أنتقلت تلك اللغة وتعاليم الديانات القديمة خلال تلك الهجرات ؟
كما تعج منطقة بلاد مابين النهرين بالديانات التي أكدتها الأحافير والآثار والتي دلت على اضمحلال بعضها ونشوء بعض على أنقاض الأخرى ، بالأضافة الى انتهاء العديد من الديانات بأنتهاء السلطة التي كانت تدين بها ، ومامن عقيدة دينية تبرز الى الحيز المادي بين الناس مالم ترتكز على أسس ومساند ، كما أنها تخاطب النفوس بأسم الاله الكبير الذي يتوجب على الناس كافة الخضوع له والأنقياد الى تعاليمه وطاعته ، وهذا التخاطب مهمة من مهمات الأحبار ورجال الدين الذين يحفظون التعاليم والكلمات المقدسة الواردة في مصحف روز أو ضمن تعاليم كتاب الجلوة في صدورهم ووسط ضمائرهم وتلك مهمة عصية لم يزل يتناقلها رجال الدين حتى اليوم .
ومن خلال الأطلاع على ما أوردته أغلب الديانات حول قصة الخليقة وطريقة الخلق وقصة الطوفان وعبادة الشمس والكواكب وقضية التضحية والختان والمكان المقدس والحلول والتناسخ والتوحيد سلباً أم أيجاباً ، دليل عقلي على انفصال احدها عن الأخرى ، ويتضح أن التوافق والتطابق الحاصل بين الديانة الأيزيدية وبين الديانات القديمة انها من الديانات القديمة التي انتقلت بفعل عوامل عديدة بالرغم من تحديد الأنتماء اليها .
ولم يكن اختيار الطاؤوس رمــزا للجمال والخير ليتخذه الايزيدية تعبيرا رمزيا عن شكل الملاك ، وأنما تطابق اللفظ بين تموز وتاووس ، وشمش وشمس ، حتى نجد العديد من الاسماء التي لم تزل متجددة مع حياة الايزيدية لدى القدمـاء من النبطيين والبابليين والسومريين ، بالاضافة الى وجود بعض الطوائف والملل التي تعتبر ان الطاووس هو من اغوى آدم وحواء في الجنة ، وللتأكيد فأن المنزلة الرفيعة التي يضعها الايزيدية لطاؤوس ملك مهما علت قدسيتها والاعتزاز بها والتمسك والتضحية في سبيلها ، فانها لايمكن ان تلغي الاله الكبير وتوحيدهم للخالق واعتقادهم بقدرته الكلية ، وهو الذي سيقرر القيامة في يوم ما ليحاسب الكائنات الحية على اعمالها لياخذ كل كائن مايستحقه من الثواب او العقاب في الجنة او في النار .

النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم
القسم الثاني
زهير كاظم عبود

اتهمت الأيزيدية بأنها عبادة الشر ، وأنها تقدس الطاؤوس وتعتبره رمزاً للشر وتعتبره الهاً لها تقوم بعبادته ، وأنها تعتقد بالوهية الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ، وانها تعتبر الشيخ الجليل عدي بن مسافر آلهاً آخر تعبده دون الله ، والكثير من الأراجيف والقصص المختلقة التي تريد النيل منهم وأخفاء حقيقتهم وكلها إتهامات ظالمة وباطلة لاأساس لها من الصحة ، غير أن اهم ما سنعالجه في هذا الحيز هو عبادة الشر وتبجيل رموزه والنزوع نحو أرتكاب فعل الشر الذي يتهم به الدين الأيزيدي ، ويفترض المنطق ان يكون أتباع كل دين ملتزمين بما تفرضه عليهم ديانتهم وشريعتهم ، ومن غير المنطق أن يكون الدين الأيزيدي دين الشر وأتباعه يسلكون طريق الخير لأن هذا الأمر يحدث التناقض والتصادم بين الفعل والأيمان ، وبين السلوك والعقيدة ، فأذا كانت الديانة الأيزيدية تقدس الشر يتوجب على أتباعها أن تمارسه وتلتزم به في السلوك والفعل ، وأذا كانت الأيزيدية تقدس الشر يتحتم أن تأتي النصوص الدينية والأدعية لتبرير هذا الشر ، أو تدافع عنه على الاقل ، او أن يقوم رجال الدين بتبرير نزوع دينهم نحو الشر ، أو ان عتاتهم وشقاتهم هم من يتصدر الدعوة لمثل هذا الدين ، وما نعرفه بتواضع أن رجال الدين هم الجهة الوحيدة التي تفسر وتشرح وتبسط النصوص الدينية للناس ، وجل هذه الشريحة من ألأتقياء والملتزمين بالخلق العالي والقيم الأنسانية ليكونوا مثالاً يقتدى به لغيرهم بالأضافة الى تطبيق صارم لأسس العقيدة على حالهم قبل تطبيقها على الناس ، أن الأمر يتناقض مع تأريخهم البعيد كلياً عن الشر ، أن جميع الأديان هي حركات أصلاحية لهداية المجتمعات في كل زمان ومكان ، وهذه الحركات منها ما يستمد صيرورته من الخالق ومنها من الأنسان ، غير أن لكل ديانة أفكار واضحة ينشرها سواء بكتب مقدسة أو بأقوال وأفعال يلتزم بها ، ويسعى القسم الأكبر منها للأعتقاد بوحدانية الله ، كما تدعو جميعها حتى التي لاتنضوي تحت الديانات التوحيدية دون أستثناء الى عمل الخير والفعل الصالح والأبتعاد عن كل ما يوجب الحساب الديني والدنيوي بالعقاب نتيجة فعل الشر ، وجميع الديانات تدعو لتجنبه والحذر منه وتسعى إلى محاربته من داخل النفس البشرية وصولاً إلى كافة مظاهر الحياة ، والأيزيدية من العبادات التي تدعو لتوحيد الله وتؤمن بعبادته وانه الخالق الأزل جهاراً ، وانها من الديانات التي تؤمن بالحلول والتناسخ ، وأن هذا التناسخ والحلول يجسد فعل الأنسان في الدنيا ، فاذا كان شريراً فاسداً مسخه الله في جسد حيوان اوطير او كائن يتعذب ، وأن كانت افعاله تتجه نحو صالح الناس ونحو الخير ، أكرمه الله وأعزه وكافئه في الحلول بروح سعيدة ومرتاحة في حياة اخرى جديدة ، وأذا كان هناك من تشابه في تطبيق نظرية الفيض عند الايزيدية ، لإن هذه النظرية برزت منذ أيام أفلاطون والمدارس الفلسفية والديانة الهندوسية ، حيث أن الأيزيدية تعتقد بأن الدنيا تفيض من نور الله ورغبته في الكينونة وهو الذي يأمر ملائكته الأرباب بتسيير شؤون الكون ، وأن عناصر الكون الأربعة هي الماء والتراب والهواء والنار ، وأذا كانت بعض الديانات التي أنتشرت في العالم تمجد قوى الطبيعة وتدعو لتمجيدها وعبادتها ، أو انها تتخذ من الظواهر آلهة ، فأن الأيزيدية منذ بداياتها أعتقدت أن هذه الظواهر وأن كانت جديرة بالتقديس الا انها آية من أيات الخالق ودليل على قدرة الله في منح الحياة مثل تلك الظواهر الخارقة ، ولم تشرك بهذه الظواهر مع القدرة الربانية التي أكدت على وحدانيته وقدرته وربوبيته ، وبعد كل هذا هل يمكن أن تؤمن ديانة تلتزم بما ذكر بالشر ، فجميع الأقوال والادعية بعيدة كليا عن الشر او الالتزام به :

(( يارب نطلب منك بالخير المرحمات التالية
الكرامة والشفقة ، اللسان والنطق
الدين والايمان
العقل والفهم ))
(( حقا الحمد لله رب العالمين
يارب تقبل دعائنا نحن المؤمنين الصالحين القائمين على ابواب الاولياء ، اللهم آمين ))
(( انت صاحب التاج من الاول الى الاخر
اعط الخير واقلب عنا الشر ))
(( آمين آمين تبارك الدين الله احسن الخالقين ))
(( يارب انت الغوث وانت المدد
لالون لك ولالحن
يارب لايدري احد كيف انت ؟
يارب انت خالق السماوات
ومعطي القوت
انت الحليم والملكوت
يارب انت خالق الفقراء والملوك
انت الدائم الموجود ))
(( بحق اسمك يارب تفقد امور الكرد
وحال الايزيديين في الشرق والغرب ))
والمتمعن في نصوص هذه الأدعية وما يردده رجال الدين الأيزيدي والقوالين من دعاء جهاراً جميعها تدعو للخير ، الخير ليس للأيزيدية فقط وأنما لكل الناس ، ثمة من سيقول ان هذه الأدعية وضعها رجال الدين حديثاً ، ولكن الأيزيدية يطرحون هذه الأدعية التي يغلب عليها البساطة والقدم وليس لهم سواها ، وهم يرددونها منذ أن وجد اول أيزيدي نفسه على هذه الأرض ، ثم لماذا يجاهرون بأدعية ويخفون غيرها ، الا يمكن ان تظهر ما يناقضها بينهم ؟ ومن يعاند بصحة الأدعية عليه أثبات العكس ، وليس هذا فقط أيضاً فقد شهد تأريخ المنطقة التي يعيش فيها الأيزيدية منذ القدم انهم بالرغم من كل ما لحقهم من المحن لم تكن لديهم نزعات للشر ، او على الأقل ردة فعل سلبية أزاء مالحقهم من ظلم وتنكيل وتقتيل لم يكن ينالهم لو انهم كانوا بجوار أهل دين آخر مثل ما حصل لهم على أمتداد التأريخ المنقول والمكتوب في المنطقة التي خلقهم الله فيها .
ويعتقد الأيزيدية أن الخير من عند الله ، ولايمكن ان تكون أفعال الشر الا من عند الأنسان وهو وحده من يرتكب الخطيئة ويحاسب عليها ، وأن الصراع بين قوى الشر والخير مثل الصراع اليومي بين النور والظلام ، ومثل هذه الطروحات الفلسفية لاتخلو من حكمة وتبصير لاتصدر عن جهل او عدم معرفة ، بالأضافة الى تطبيق تقديس الارض التي خلقها الله من التراب بتحريم البصاق على هذه الأرض قطعاً ، ومثل هذه الامور لاتنم عن جهالة بأمور الدنيا أو بأمر الخليقة أنما على العكس تدلل على معرفة وسعة أدراك وعلمية قد تفوق ما يتصف به رجال الدين الأيزيدي المحصورين ضمن نطاق المناطق التي يعيشون ضمنها مع كل ما لحقهم من حروب وهجمات وما لحقهم من منع القراءة والكتابة في فترة زمنية عصيبة لعدم تمكنهم من الأستقرار والأطمئنان في حياتهم اليومية .
ومع أن الباحث simon في العام 1685 أشار في بحثه عن اصل الاديان الى الفرق التي كانت قبل اليهودية ، وأشار الى الفرق الدينية التي تعتبر الغواية تجسيداً للحكمة الالهية ، ولم يكن simon موفقاً بخصوص الأيزيديـــة التي أطلق عليها الغنوسطية والتي تتناقض مع طرحه ، فلم يعتقد الأيزيدية أن الغواية من عند الله بل العكس فهو يختص بكل شيء بدءاً من الخليقة وانتهاء بالروح ، ولكنه لايبلي مخلوقاته التي كرمها وفضلها على كثير من المخلوقات بالغواية ، أذ تعتقد الأيزيدية أن الأنسان هو الذي يرتكب المعاصي ولهذا فأنه من الطبيعي سيخضع للعقاب والحساب .
فأذا لم يكن الأيزيدية ممن يعبدون الشر ويقدسونه ، فلم هذا التعتيم المظلم على حقيقة ديانتهم ؟ ولم هذا الأصرار على الأساءة اليهم وأخفاء حقيقة ديانتهم في نظر بعض من كتب بقصد التضليل والأساءة اليهم ، أما يكون من الأجدر تثمين وأظهار قيم الخير والمحبة ورعاية هذه الأحاسيس الأنسانية من أجل التعايش الأنساني بسلام بين البشر ؟ أما يكون من الأجدر التعامل مع الديانة الأيزيدية بعقلانية بعيداً عن الذبح والدم والموت وأبادة الآخر ؟ وبعد كل تلك الأفعال الدموية التي مارستها جهات عديدة بحق الأيزيدية نلمس اليوم أن الأيزيدية ثابتة وباقية لم تهزها رياح الموت اليومي ولاغيرت نظرتها للحياة وتمسكها بقيم الشريعة وتعاليم السماء التي يتمسك بها المؤمنين بهذه الديانة ، وكما أن الأيزيدية تعبد الله وتختلف في بعض التفاصيل مع بقية الأديان ، فأن هذا الأختلاف في العقيدة طبيعياً وموجوداً داخل شريعة كل ديانة قائمة في الحياة اليوم أذ تختلف كل ديانة قائمة عن الأخرى بشيء من التفاصيل فبماذا تختلف الأيزيدية عن ذلك ؟ وهذا الأمر لاينسحب فقط على الديانة الأيزيدية أنما يتطلب الأمر العمل على نشر الثقافة التي تعتمد الحقيقة بالنسبة لما يشاع عن بقية الأديان الزرادشتية أو البوذية على سبيل المثال لاالحصر ، وعلى أساس أن الدين لله لايمكن حصره بكتلة بشرية واحدة ولايمكن تسجيلة وتجييره لفئة دون غيرها من الكتل التي تتشكل منها الأنسانية ، وبعد ان أتفقت جميع الأديان دون خلاف على أن الله كرم الأنسان وفضلــه على كثير من المخلوقات ، فمن غير المقبول ان يتم احترام ديانات تقدس الحيوانات وتسجد لأصنام وتركع لها ، في الوقت الذي يتم الأستخفاف بديانة تؤمن بوحدانية الله ولاتركع لبشر او مخلوق ، وأن كانت الديانة الأيزيدية من الديانات التي تدعو لأصلاح النفس البشرية وتوجيهها نحو أفعال الخير يتحتم علينا ان نلج في بدايات الدعوة ، وان ننبش في التاريخ المطمور منه والمخفي بجرأة وبنية صادقة وصافية ، فما من حركة أصلاحية أو ديانة ليس لها جذور ، كما ليس من المعقول ان تتطابق الدعوة الأيزيدية في الفلسفة والتصوف والأعتقاد مع ما يعتقده فيلسوف انتشر أسمه وعلمه في عصـــره مثل الحلاج ( أبي المغيث الحسين بن منصور ) (المصلوب ببغداد عام 309هـ/922م بتهمة الزندقة زورا وبهتانا ، وبعد أن تم صلبه وتعليق جسده تم أنزاله بعد ثلاث ليالي ، ليتم أحراق الجسد ويجمع الرماد وينثر في ماء دجلة ببغداد ) وهو المشهود له بالزهد والورع والفقه والتصوف ، ومن غريب التاريخ أن يتم أهمال اتهام الأيزيدية كونها تسعى لأستعادة الحكم الأموي وانها فرقة سياسية ، في حين ان الحكم العباسي لم يتعرض لها كما تعرض لها غيره من السلطات ، ولم يسجل التأريخ القديم والحديث اي تصرف أو واقعة تدل على أن الحلم الأموي بأستعادة السلطة لم يزل يراود مخيلة أبناء الأيزيدية ، ولم تكن الأيزيدية ملتزمة باللعن الذي كان منتشراً في الزمن الأموي بشتم العلويين ، ومثلما لم تلتزم باللعن في الزمن العباسي بشتم الأمويين ، ولايعقل ان لاتلتزم جماعة سياسية أو مذهبية بما تفرضه عليها الأعراف والأحكام في زمانها ، وخصوصاً أذا عرفنا أن الأيزيدية قامت في أرض لالش ومنها أنتشرت ، ولو قدر لها ان تكون من الديانات التبشيرية لأكتسحت مدن وبلدان عديدة في ذلك الزمن السحيق قبــل أن تحل الديانات التي تلتها ، لابل غي هذا الزمن حيث لم يزل العديد من البشر دون ديانة ودون ضوابط روحية في بلدان لاتلزم الأنسان بديانة معينة ، بالنظر للتعاليم والدعوات نحو الخير وبناء حياة الأنسان تحت أسس الأقرار بوحدانية الله وعبادته والخضوع له والالتزام بتعاليمه ، وبالتالي أنشاء حياة تليق بهذا الكائن المميز في الحياة .
وأذا كان بعض يطلق كلمة ( اليزيدية ) جزافاً على تلك الجماعات الأنسانية ، فليس من باب المصادفة أن يكون ( أيزيد ) هو بمعنى الاله ، والأيزيدية بمعنى عبدة الأله لتفريقهم عمن يعبد غير الله من القوم في المنطقة ، حيث أن العقل لايتقبل أن تكون فرقة دينية تتبع الخليفة الأموي يزيد بن معاوية( 60-63هـ / 680-683 م ) ، لعدم وجود أرث ديني أو فقه او فكر تركه الرجل خلال تلك الفترة الزمنية التي اشتهر فيها وأنصرافه الى الملذات بل ولم يكن ملتزماً دينيا بالرغم من كونه خليفة المسلمين قبلوا ذلك أم رفضوا ، ومايراد سوى ان يتم إلصاق أسم يزيد بهذه الفرقة الدينية من فرق الله إمعاناً في الحط من قيمة ديانتهم والأساءة اليهم .
والمتابع للتأريخ الأيزيدي لايجد أي تناحر أو عداء مستعر بين الأيزيدية وبين الشيعة الجعفرية في العراق ، وكل ماتم تأسيسه ونشره لايعدو الا أراجيف باطلة لاسند لها من الحقيقة والتأريخ فلا يوجد في الموروث الأيزيدي ما يؤسس الكراهية والحقد تجاه هذه الشريحة الكبيرة في العراق ، كما لاتوجد حواجز أنسانية ترسمها الأيزيدية ضد هذا المذهب ، وأذ يتم التعامل معهم بكل الموجبات التي تتعامل بها الأيزيدية مع الأديان التي تختلف معها ، وأذ يتم تطبيق الكرافة وهي من الأعراف التي تفردت بها الأيزيدية وألتزمت بها ، فأن الأمر يثبت لنا تقويض دعائم الأتهامات التي تم ترويجها في فترة زمنية معينة بزعم العداء التأريخي بين الأيزيدية وبين الشيعة ، والأمر نفسه يؤدي الى أثبات عدم صحة كون الأيزيدية فرقة أموية سياسية تريد أعادة السلطة الى البيت الأموي ، وأن هذا الأمر سيبدو أكثر سخرية وأضحاكاً حين تجد أن الأيزيدية اليوم ينتشرون في دول بعيدة عن العراق وعن مساحة التأريخ العربي حيث يبدو الأتهام مخالف للمنطق والواقع .
لم يكن الايزيدية وحدهم من يعتقد ان هذا الفضاء الواسع لم يكن سوى ظلمات تجري من تحته الامواج وتعصف به الرياح وليس به سوى الله القائم بوحدانيته والمنفرد بربويته ، ولما اراد الله خلق الكائنات اوجد من نوره الازلي كل معالم الخليقة والكون ، فقد تلتها وكانت معها أديان عديدة أوردت نفس التصور وسردت في كتبها المقدسة وموروثها الديني نفس القصص التي تطابقت بها مع ما جاء عند الأيزيدية .
الخليقة في المعتقد الأيزيدي لاتختلف عن غيرها من معتقدات الاديان وخصوصاً ما يؤمن به المسلمين ، غير أن الأيزيدية تقسم ايام الأسبوع في خلق الملائكة ، كما تعتبر ( عزازيل ) طاؤوس الملائكة رئيساً لجميع الملائكة .
ورد في التفاسير عن قصة الخلق ” فى قوله تعالى ( فإذا سويته ) دليل ظرف لأستقبال . ويرى ان قصة الخلق تتضمن الإشارة الأولى للبشر وفيها الذى خلق فسوى لأول مرة حيث كان الملائكة مخلوقين من قبلهم ، ثم إشارة عامة لخلق الإنسان فى أحسن تقويم حتى ينتهى بتكريم بني آدم وحمله لهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات ، ثم تفضيلهم على كثير من المخلوقات وتذكر قصة الخلق لأول مرة . وماتخللها من امر رباني بسجود الملائكة للأنسان ، وفيها يقول سبحانه وتعالى (( إذا قال ربك للملائكة انى خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين )) ، ويشير الى ان هذا النص يتضمن اساسيات قصة الخلق من مبدئها الى ختامها وحتى اخبار الملائكة بأنه سيخلق البشر وخلق البشر من طين ثم النفخ وفيه أمر الملائكة بالسجود.
ان قصة سجود الملائكة لآدم ورفض إبليس السجود. لم تحدث كما نعتقد فى جلسة علنية يحضرها الباري عزة وجل والملائكة . ولكنها جاءت عن حضور غير مجسم عن طريق الوحى بالأمر الإلهى للملائكة وإن الهدف منها كان إثبات خدمة الملائكة للبشر . ( قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة – الدكتور عبد الصبور شاهين 1999 دار الروافد الثقافية – القاهرة )
وتخالف العقيدة الأيزيدية في مسألة السجود أذ تعتبر الأمر أمتحاناً للملائكة لم ينجح فيه سوى كبيرهم ( طاؤوس الملائكة ) ، الذي لم يسجد لغير الله بناء على الأمر الالهي السابق ، ولم تختلف ديانة عن ذلك النص سوى الديانة الأيزيدية .
وكان تقديس الطواويس منتشراً بين العرب قبل الأسلام ، حين كان العرب يعبدون الأصنام والأوثان والرموز ، وكان من بين كبار العرب من يعبد الطواويس ، وموضع الطواويس في داخل حجرة الحجر الأسود ، ومن بين من كان يقدس الطواويس ويتعبدها أبو سفيان صخر بن حرب ، ومن يتابع مشاهد فلم ( الرسالة ) الذي أخرجه مصطفى العقاد سيلمح مشهداً ثابتاً يتمثل في قيام ابو سفيان وزوجه بنقل الطواويس من دارة الكعبة الى دارهم ، حيث بقيت هناك حتى أستلمها عنه ابنه معاوية ، ويقال انه نقلها معه الى الشام حيث كان يعبدها حتى وهو خليفة للمسلمين في دمشق ، وتلك قصة أخرى يراد تدقيقها وتمحيصها وأثبات مصادرها قد نتعرض لها في مجال أخر .
المتابع يجد أن قصة الخليقة لدى البابليين تذكر ان الكون كان في البدء ماء ومنه تكونت الكائنات ، وتقول الأساطير الفرعونية أن الظلام كان يعم هذه المياه العظيمة حتى قرر الالــه (( آمون )) أن يبدأ الخلق ، بينما تخالف اليهودية في سفر التكوين من ان الله خلق السماوات والأرض وبقي الخالق في عرشه فوق الماء ، وخلق النور والسماء وأمر بظهور الأرض اليابسة ، ثم أمر بأن تشرق الشمس ويظهر القمر ليلاً ، وبعدها خلق الكائنات الحية ، اما الاسلام فيؤكد أن الله خلق الكون في ستة أيام ثم أستوى على العرش ، وكان عرشه على الماء .
والمدقق المحايد يجد في المجازر والمذابح التي تعرض لها أتباع الديانة الأيزيدية سبباً منطقياً ومقبولاً حول اختفاء وأنتهاء كتبهم المقدسة المكتوبة من التداول ، مع أن المنطق يقضي بوجودها وتلاوتها ولكن الظروف التي أحاطت بهم لم تكن تحتمل بقاء مثل تلك الكتب وتناولها وقرائتها واستذكار ماورد فيها ، ولهذا عمدوا الى تكليف رجال الدين بحفظ نصوصها وتداولها جيلاً بعد جيل ، نلاحظ أن نفس المقدسات ونفس التعاليم تتجدد لدى معتنقي هذه الديانة ، ومع عدم وجود نصوص مكتوبة يدل الأمر الى حتمية وجود تلك النصوص في فترات معينة ، أذ لايمكن لرجل الدين أن يفرض مايعتقده على رجل الدين الذي يليه اولاً ، ومن ثم لابد من تمرد العوام على ما يطرحه رجل الدين أذا كان دون سند او أرضية ، ولهذا تجد أن المناقلة الشفاهية التي تمت بين رجال الدين لايختلف عليها أحد منهم ، ولاننكر جهل المجتمع الأيزيدي وعدم ولوجه الساحة العلمية والمعرفية لأسباب تتعلق بطرق المحافظة على الحياة والتخلص من الظلم والأضطهاد التي تلحق به من جيرانه على الدوام والتي تصل في أحيان كثيرة الى الذبح والقتل وأستباحة الأرواح و المال والحلال بسبب تمسك الأيزيدية بديانتهم ، وعدم اقتناعهم للولوج في ديانة أخرى قسراً ، وإيجاد مبررات شرعية ومادية لأجبارهم على ترك تلك الديانة .
ونتفق أن لكل ديانة مهما قل شأنها أو كبر كتاب مقدس تستمد منه الثوابت والأسس التي تقوم عليها ، وهذا الكتاب المقدس يحوي أما وصايا الاله المعبود أو تعاليم الشريعة ، ولاينكر الأيزيدي أن له كتاب يدعى ( مصحف رش ) ، مثلما لاينكر كل التفاصيل التي وردت فيه والتي لم يثبت بطلانها ولا خلافها ولاعدم صحتها حتى اليوم ، كما أن ما تناقله الكتاب وما نقله الرواة من نصوص كتاب ( الجلوة ) يدل ايضاً على الأتفاق والأجماع والقبول لكل ما ورد فيه وهو كتاب يخاطب به الخالق معبوداته ويوضح قدرته ووصاياه لهم ، وهذا يعني أن صحائف الكتاب المقدس أن وجدت فهي موزعة ومخفية يمكن ان تكون قد اتلفت بفعل عامل الزمن والظروف التي أحاطت بهم ، مثلما يمكن ان تكون هناك بعض صفحات متبقية بشكل مبعثر وخفي لدى بعض المهتمين أو من شيوخهم ورجالهم .
ومهما يكن الأمر فلن يكن بمقدور رجال الدين و جلهم من الأميين وسط مجتمع يعج بالأمية والجهل والخوف أن يتفقوا على نمط واحد من السرد والمواعظ والمحرمات والطقوس ، في حين بقي رجال الدين الأيزيدي محافظين على كل ذلك وسط مجتمع كان يعيش خارج الدنيا بسبب الضغط والحصار والملاحقة القاسية التي تحملها اتباع هذه الديانة .
ولهذا تجد ان الميثولوجيا الأيزيدية لم تنتج قصصاً وأساطير وروايات عن فقهاء وقيادات دينية مثلما ورد في بقية الأديان والمذاهب والملل ، بينما تعج الميثولوجيا الأيزيدية بقصص الاخلاص والتفاني والشجاعة والدفاع عن النفس والعرض وعن الكريف وكل ما يتعلق بالدفاع الشرعي وحماية الأنسان لحياته ، وبتحليل هذا التوجه يتبين لنا المعاناة الأنسانية التي كان يعانيها الفرد الأيزيدي في سبيل النجاة والخلاص والدفاع عن النفس ، وبالتالي أيجاد الوسائل والسبل التي تدعو لحمايته وبث روح الصمود والقدرة على حماية النفس والعرض والعائلة من هجمات الجيوش المسلحة ومجموعات القتل المنتشرة والتي تزعم انها تريد مرضاة الله ولكنها ترتكب أبشع الخطايا في قتلها الأنسان الذي حرم الله قتله الا بالحق ، ومن يستقرأ الأساطير والحكايات الشعبية التي يعج بها المجتمع الأيزيدي يخرج بسفر من القصص الرمزية والحكايات التي تحمل المعاني النبيلة والقيم والتي لم يبدأ احد بنبشها وتصويرها .
وبالمقابل فأن ثوابت أساسية لم يستطع أحد تبديلها أو التمــرد عليها ، منها التراتيبية الدينية ( نظام الطبقات الديني ) لدى الأيزيدية ، والمكان المقدس في لالش ، وهذه الثوابت الا تدل على عمق الأيمان والمعتقد في أعماق هذه المجموعة البشرية ؟ ألا يدل هذا التمسك بالثبات في العقيدة والأسس التي تقوم عليها .
ومن الغريب أن لايلتفت أحد الى عدم أتخاذ الأيزيدية ( الطوطمية ) للترميز الى الملائكة في الأعتقاد وممارسة الطقوس ، بالرغم من الزمن السحيق الذي جاءت منه ، مع ان هذا الأمر مبرراً في ذلك الزمان ، الا ان القطع الأساس بوجود اله واحد ليس له ولد ولا شبيه ولاحدود لدى الأيزيدية ، ميزهم دون تلك الديانات القديمة في عدم وجود أثر طوطمي أو نصب أو تمثال أو صنم لأي سبب كان ، ولو أفترضنا أن الأيزيدية من الديانات الحديثة لأستفادت على الأقل مما سبقها من الديانات التي انتشرت في المنطقة ، والتي تركت آثارها وتماثيلها وآلهتها باقية كشاهد من شواهد الأعتقاد والعبادة والشعائر التي آمنت بها تلك الناس في ذلك الزمن ، غير أن الأختلاف الشاسع والواضح في العقيدة والأيمان وفي الرمزية بين تلك الديانات والأيزيدية يوحي بقدم الأيزيدية وتميزها وتمسكها بما يخالف الأديان القديمة والحديثة أيضاً .
وأذا كانت الأيزيدية ترمز لكبير الملائكة ( طاؤوس ملك ) بهذا الشكل التصوري والرمزي ، فأن المسلمين أيضاً صوروا ( البراق ) التي امتطاهــا الرسول ( ص ) عند أسراءه الى السماء ، كما ان المسيحية لم تزل لحد اليوم تتخذ من خشبة الصليب علامة لها وتقوم بتقديسها ، كما تتخذ اليهودية من حائط المبكى رمزاً مقدساً يتداخل في طقوسها ، مثلما تعتبر المندائية الصليب الذي تلفه الخرقة البيضاء الطاهرة رمزاً لطهارة دينها ، غير أن جميع هذه العقائد تشترك في عبادة الله ووحدته في التكوين والخلق .
أن من ينسلخ عن مذهب أو ديانة ينبغي ان تبقى بعــض جذور ومفردات تلك الديانة معه قائمة ، وهذا الأمر يتعلق باتهام الأيزيدية كونها فرقة من الأمويين ، حيث أن فكرة الحلول والتناسخ تلغي تلك الأحتمالات ، بالأضافة الى تمسك الأيزيدية بالأنغلاق في العقيدة وعدم قبول الأنتماء والأعتقاد بالأيزيدية أذا كان من ابوين غير أيزيديين أو أن احدهما غير أيزيدي ،وفي هذا الأمر تناقض واضح مع فكرة الأنسلاخ ، حيث أن من يريد الأنسلاخ والأنشقاق على ديانة أو حزب او جمعية عليه أن يقم بتوسيع دائرته لاغلقها ، وعليه ايضاً أن يحاول كسب اكبر عدد ممكن من المؤازرين والأعضاء وعدم إيجاد الطرائق والحواجز التي تصدهم وتمنع قبولهم تحت أي ظرف ومهما كانت الأسباب ، وليس هذا فقط أنما يتم منع عودة من مرق وخرج وغادر ديانتهم أيضاً .
في منطقة كوردستان كانت تنتشر اديان عديدة قبل أن يحل الأسلام ، فقد كانت الزرادشتية واليهودية والمسيحية منتشرة ، بالأضافة الى وجود المعابد والصوامع والكنائس والأديرة التي يمارس فيها الناس طقوسهم وعبادتهم ، أيضاً كانت الأيزيدية موجودة فقد كان الداسنيون وهم من بقايا الاشوريين يدينون بهذه الديانة بالاضافة الى وجود عبادة الشمس ، وبعد ان جاء الأسلام وبدأت موجات الفتوحات الأسلامية تصل الى مشارق الأرض ومغاربها ، انضم الى الأسلام اعداد غير قليلة من تلك الديانات ، بل وأضمحل أثر كثير من تلك الديانات ، فقد غابت تلك الجموع الزرادشتية وتقهقهر الوجود اليهودي وضعف الوجود المسيحي ، بينما بقيت الأيزيدية غير متأثرة بتلك الفتوحات بالنظر للعقلية المنفتحة والتعاليم السمحة للرسالة المحمدية وللقائمين على نشرها ، وأستمر الحال في التعايش المنسجم بين كل تلك الديانات المقيمة في المنطقة ، وتزخر منطقة كوردستان العراق ليس فقط بالتنوع الديني للعديد من الأديان وأنما بوجود المذاهب والمعتقدات والطرق الصوفية وثبات التعايش الأنساني والأنسجام بين كل العقائد والأديان ، حتى تبدل الحال وتغيرت عقول الحكام الذين كانوا يحكمون بأسم الله ويبغون توسيع سلطانهم ومملكتهم على حساب الأنسان ، وكان الأيزيدية من ضحايا تلك الفترات فأنحسرت الديانات الأخرى وتقلصت وتقوقعت في اماكن معينة ، وأذا كان انحسار هذه المذاهب والأديان في المنطقة بسبب حلول الدين الجديد ، الا يعني ثبات وبقاء الأيزيدية بالرغم من أنغلاقها وتقوقعها دليل على قوة عقيدتها و ثباتها وأصالتها وعراقتها ، غير أن ما يلفت النظر أن الأيزيدية التي نشأت في أرض الكورد توزعت بين منطقتي الشيخان – لالش – سنجار ، بقيت صامدة في تلك المناطق بالرغم من الحروب والدعوات لأجتثاث الدين والرموز وهدر دم من يؤمن به ، ثمة مهاجرين فروا الى بلاد أخرى ، غير أن ايزيدية تركيا وسوريا وأيران وأرمينيا لم يتزحزحوا عن مكانهم ودافعوا عن وجودهم دفاعاً مستحيلاً .

وأذا تمعنا في بعض المحرمات سنجد التطابق في العديد من المفردات الشرعية ، وعلى سبيل المثال لاالحصر فقد سبقت الأيزيدية جميع الأديان بتحريم أكل لحم الخنزير واسهبت في شرح الأسباب الموجبة لهذا التحريم ، مع ان اليهودية حرمت الخنزير بسبب شق الظلف وكونه لايجتر طعامه ، ثم حرمه الأسلام من بعد لقذارته وبسبب وجود بعض الامراض في لحمه اذا لم ينضج جيداً ، غير أن الأيزيدية جمعت كل الأسباب عند تحريمها أكل لحمه بل وأعتبرت أن روح الأنسان الشرير تحل في جسد الخنزير أذا ما عادت الروح مرة أخرى الى الحياة ، وترمز الأيزيدية الى الشر بشكل الخنزير ، ويبدو ان هذه الرمزية مستمدة من الأساطير القديمة لدى الشعوب التي أعتبرت الخنازير رمزاً للشر .
تمارس الأيزيدية طقوساً غاية في البساطة بضمنها طقس التعميد الذي جرت عليه اغلب الديانات القديمة ، غير أن اغلب هذه الطقوس ما أشارت له الكتب والرقم الطينية التي مارسها البابليين في بلاد الرافدين ، لذا فمن غير المعقول أن يكون التشابه والتطابق وأستمرار الألتزام بتلك الطقوس عفوياً أو محض صدفة .
وللأيزيدية مثل غيرها من الديانات لغة خاصة لها أبجديتها وحروفها ، ويمكن أن تكون الكتابات المنقوشة على الجدار الخارجي لمعبد لالش أنموذجاً لهذه الكتابة التي لم يسبر غورها أحد من الباحثين والمهتمين بجوانب التأريخ الأيزيدي ، كما يمكن أن تكون الكتابة الأيزيدية القديمة التي كتب بها الكتاب المقدس والموجودة في متحف النمسا ، دليلاً آخر على وجود هذه الكتابة ، حيث وجدت نسخة الكتاب في مناطق الأيزيدية ، كما انها لم تكن من الكتابات العبرية أو اللاتينية أو العربية التي كتب بها الكتاب المقدس .
ومن الغريب أن علماء اللغة والتأريخ لم يعيروا تلك الأهمية والأهتمام لهذا الجانب من التأريخ الأيزيدي ، حيث لايمكن القبول أن الأيزيدية لم تكن لهم لغة ولم تكن لهم كتابات ، مع أن الشواهد التي وجدت تدل على غير ذلك ، حيث لم تزل الايزيدية حتى اليوم تجعل لشهر نيسان قدسية خاصة وتعتمد على التقويم الشرقي – الشمسي – وهذا التقويم ماخوذ من البابليين ، أذ تبدأ السنة الأيزيدية في أول أربعاء من شهر نيسان ، كما تعتقد الأيزيدية أن بدء الخليقة كان في نيسان أيضاً ، وتتم التضحية من قبل الأيزيدي في شهر نيسان ، ولكون شهر نيسان من شهور الربيع والخصب فقد خصته الأيزيدية بهذه المكانة والأهتمام والتقديس ، ولم يكن هذا الطقس الا أمتداداً لما كان يعتقد به البابليين والسومريين في هذا الشهر حيث يتم زواج اله الخصب والذكورة بالالهة عشتار لتنتج الحياة وتبدا دورتها ، ويمكن أذا ما أتيحت الفرصة لبعض الآثاريين والباحثين في المنطقة ومن المهتمين بتأريخ الديانة الأيزيدية ، أن يساهموا بالنبش والتنقيب بغية أستخراج الحقائق المطمورة وجلي التاريخ لتلك الكتابات التي ستفصح حتماً عن أحداث تأريخية وروايات وأحداث لأوقات متأخرة .

النبش والتنقيب في التأريخ الأيزيدي القديم
القسم الثالث

يقع وادي لالش المقدس ضمن منطقة عين سفني التابعة اداريا لقضاء الشيخان ضمن اقليم كوردستان العراق ، ولعل الوصف الجميل الذي أورده كل من صــديق الدملوجي وسعيد الديوه جي عن المعبد المقدس من أصدق ما نقلته الأقلام العربية في وصف طبيعة المكان ، وبالنظر لعمل الكاتب المرحوم الديوه جي في دائرة الآثار في الموصل حين كان مكان المعبد المقدس تابعاً لها ، فقد أفرد فصلاً في كتابه ( اليزيدية المطبوع في الموصل 1973 ) للمكان المقدس ولقبر الشيخ عدي بن مسافر .
يقع الوادي بين ثلاثة جبال وتتميز القباب الخاصة بالمعبد بشكل مخروطي لايماثله في العراق معبداً او قبراً ، وتتضلع القباب المخروطية الى حافات مستقيمة تنخرط من الاعلى الى الأسفل ضمن دائرة تستند على قاعدة تمثل الارض ، تستقبل جميعها أشعة الشمس ، لذا يطلق الايزيدية على المكان المقدس ( مه ركه ) والكلمة تعني موطن الشمس ، ولهذا المعنى علاقة قدسية تدخل في المعتقد الأيزيدي الذي يعظم الشمس ويعتبرها آية من آيات الله ، بالأضافة الى دخول الشمس في الكثير من المعتقدات والموروث الأيزيدي ، وقيل أن المعبد كان ديراً للنصارى تم تأسيسه في فجر النصرانية وأن الراهب ( يوحنا ويشو عسبران ) من أسسه وأقام فيه ، ونفى السيد الدملوجي هذا الرأي في الصفحة 205 من كتابه اليزيدية المطبوع بالموصل 1949 حيث يذكر ( ان المعبد لم يكن ديراً قبل ان حل فيه الشيخ عدي بن مسافر وأتخذه مقاماً له كشأن كثير من المعابد التي رددت في زواياها ترانيم الوثنيين ) ، بينما يؤكد الباحث المرحوم سعيد الديوه جي في كتابه ( اليزيدية بالصفحة 206 ) ان المعبد انشأه الشيخ عدي بن مسافر عندما اتخذ لالش مقرا له ، ثم يعقب في الصفحة 208 بان المعبد كان مصلى للمسلمين ، ولسنا في موضع تفنيد او مناقشة الأراء التي تختلف مع الأيزيدية ، غير أن هذا المكان كان ولم يزل مكاناً مقدساً لدى الأيزيدية ومما زاده أهمية وتبجيلاً أن يكون قبر الشيخ عدي بن مسافر فيه ، بالأضافة الى الأعتقاد الذي يقول أن لالش هي مركز الأرض ، كما أن الأيزيدية ومنذ غابر الأزمان قدمت الضحايا والقرابين من أجل أن لايتم تدنيس المكان أو نزعه منهم تحت أية ذريعة ووسيلة ، ولو كان المكان ليس لهم لما بقوا مستمرين على تقديم التضحيات الجسام ، ولما قام أساس دينهم على المكان المقدس الذي لم يزلوا يزورونه ويتبركون به .
وأديره المسيحيين تتشابه في طرازها العمراني ، وأذ تختلف في بنائها عن شكل المكان من الداخل والخارج ، وكما تخنلف في وجود الصوامع وغرفة المصلى وقاعة الصلوات ، بالأضافة الى وجود عدد من الكنائس والأديرة في المنطقة لم تزل على قدمها وحالها ، لم تتغير وهي لاتتشابه قطعاً مع بناء المعبد المقدس ولم يتعرض لها احد ، كما أن بناء دير أو كنيسة من قبل أحد الرهبان لايعني أنه امتلكها وأختص بها ، فمن غير المعقول أن لايكون معه أو من بعده عدد من الرهبان والقساوسة يقومون بواجباتهم الدينية من بعده ، ولم يذكر أحد أن هناك في هذا المعبد قساوسة ورهبان من أهل الديانة المسيحية ، بالأضافة الى عدم وجود أية علامة دالة على تلك الهوية كالأجراص والصلبان والكتابات اللاتينية المنقوشة على الجدران والصور الرمزية التي تصور ولادة السيد المسيح او عذاباته في الصلب ومسيرة الالام . كما أن الكنيسة المسيحية تقوم بتسجيل هذه الأديرة والكنائس وتختص بأرسال القساوسة والرهبان اليها وتستمر في رعايتها وأدارة شؤونها ، بالأضافة الى لزوم وجود المسيحيين في المنطقة التي يقع فيها المعبد او الدير ، في حين أن المنطقة التي تحيط بالمعبد لايقيم فيها سوى الأيزيدية .
أن القصص التي قيلت من كون المعبد المقدس كان ديراً للمسيحيين يعوزه المنطق ويفتقر للدليل المقبول .
أما كون المكان المقدس معبداً ومصلى تابع للمسلمين فأنه ايضاً تصور قد يفتقد للعديد من الأسباب التي تجعله مقبولاً ، فطراز المكان المقدس يختلف عن طراز كل الأمكنة الأسلامية ، بالأضافة الى كون المكان يخلو من معالم الجوامع وقبابها المحنية والبيضوية ، والكتابات والنقوش الأسلامية ، وكما يفتقر المكان لوجود محلات او مكان يتشابه مع الأمكنة التي يصلي بها المسلمين بأتجاه قبلتهم ، كما ان المكان يتخلله العديد من الغرف المظلمة والكهوف والمخازن التي تختص بالزيت والشمع المستعمل لأضاءة المكان ، ومن المفيد ان نذكر ان مكان قبر الشيخ عدي بن مسافر المدفون في لالش مدفون على عكس الوضع الذي يقوم به المسلمين بدفن موتاهم مما يؤكد أن المكان لم يكن أسلامياً .
كما من غير المعقول ان تبقى النقوش الأيزيدية على جدران معبد اسلامي ، بالرغم من ظهور كتابات نقشت حديثاً بعد ان تم طرد الأيزيدية منه بالقوة لتحويله الى مكان لعبادة المسلمين ، حيث لم تكن تلك الكتابات العربية موجودة على جدران المعبد في العام 1849 م حسب ما صورته ( السيدة بادجر المستشرقة التي زارت معبد لالش ) ، حيث نلاحظ النقوش الحجرية والكتابات الموجودة على الجهة الغربية من الجدار الخارجي للمعبد المقدس والتي تثبت بما لايقبل الشك انها كتابات أيزيدية لا تتشابه مع الكتابات الفارسية أو اللاتينية والعبرية والعربية أيضاً .
ثم ان المعابد التي انشأت في المنطقة لم تكن تخص المسلمين والمسيحيين وحدهم ، فقد انشأت مكانات لعبادة المثرائيين والمانويين والزرادشتيين ، ويقول الباحث الاثاري عبد الرقيب يوسف الذي عمل مع المرحوم الديوه جي : (( أن أحد غرف المعبد المنقورة في الجبل هي التي تضم أصل المعبد ، والتي ذكرها كل من الديوه جي والدملوجي والحسني على أساس انها غرفة مخزن الزيت ، الا أن كل من الديوه جي والحسني – والكلام لعبد الرقيب يوسف – لم يستطيعا أن يدركا معاني الأشكال والرموز التي شوهدت من قبلهم منحوتة على الجدار الغربي للمرقد ، والمعبد الأصلي يتألف من منبر على شكل دكة منحوتة في الصخر وفوقها عرش ميثرا وحلقته ، وهناك الى جانب المنبر المحراب المنقور في الصخر أيضاً ، وأتجاهه يقع الى ناحية الجنوب بعكس أتجاه المحاريب في المساجد )) ، ( مقالة للسيد عبد الرقيب يوسف نشرت في الصفحة 92-109 في مجلة لالش العدد 21/2004 ) .
ولو تم تكليف بعض الآثاريين والمهتمين بالتاريخ لمعرفة قدم الصخور والحجارة التي بنيت بها جدران المعبد ، ولو قدر لهم التعرف على الرسوم والرموز المنقوشة على باطن صخور المعبد والتنقيب ، ولو تمكن بعض المهتمين بالدراسات التأريخية في التنقيب والنبش لأظهار الحقائق التي طمرها التراب وأخفتها الظروف التي مرت على المنطقة ، فستظهر بالتأكيد حلقات عديدة لم تزل لحد اليوم مطمورة بأنتظار من يجلو عنها ترابها .
ويذكر السيد يوسف انه زار موضع ( الجلخانة ) وهو موضع متكون من خمسة غرف تسبح في ظلام دامس ، وهذا الموضع قديم جداً ولربما يعود الى زمن سابق على ظهور الشيخ عدي بن مسافر ، كما أن قطع من الصخور المنتشرة في المكان المقدس والمتدحرجة من الجبل لم تزل تحمل في جوانبها رسوماً للشمس وبعض الأشارات الدينية والرموز القديمة ، وكل هذا يؤكد أن المعبد لم يكن أسلامياً بالنظر لتعارضهما ذكر مع طراز وشكل الجوامع وأماكن العبادة الخاصة بالمسلمين ، ويرى الباحث الاثاري السيد يوسف أن المعبد القديم الذي يتحدث عنه كان موجوداً في القرن الأول قبل الميلاد .
أن نقوشاً تمثل الشمس وبعض الرمزيات يمكن تحليلها ودراسة تأريخها ، ولانعتقد ان المسيحيين والمسلمين كان يعتمد النقش على الصخور في كتابة التعاليم الدينية أو الأشارة الى مسألة تخص الديانة ، بأستثناء الديانات القديمة .
أن اكتشاف هذه المعابد القديمة في المنطقة دليل على عدم تمكن المهربين والمعادين للديانة الأيزيدية من تشويه معالمها أو اخفاؤها بشكل نهائي ، مما يجعل دعوة المنظمات الدولية في الأمم المتحدة وحرصاً على التراث الأنساني ، ان تتوجه بالعناية لمثل تلك الأماكن لأعادة استكشاف ما موجود تحت صخورها وفي أروقة معابدها وفي ثنايا صخورها ومنحوتاتها ، وأن تبذل من الجهود والأهتمام بها أسوة بكل مناطق الآثار في العالم التي تحظى بأهتمام منظمات اليونسكو وغيرها من المنظمات ، وأن لم تكن من أجل ديانة خصت الأنسانية ويؤمن بها الملايين من البشر ، فمن أجل اظهار الحقاتق التأريخية ووضع النقاط على الحروف في كتابة التأريخ الأنساني .
وبالرغم من الزيارة التي قام بها الاثاري ( لايارد ) الذي صاحب ( السيدة بادجر ) في العام 1844 م ومشاهدتهما لتلك الاثار والنقوش الا انهما أسوة بالأيزيدية في ذلك الزمن لم يفهموا من معانيها شيئا ، وبقيت تلك الصخور مبثوثة ومطمورة في الوادي ، مما يوجب اليوم أن يكون المؤتمر المختص بالدراسات عن الأيزيدية قريب من المكان المقدس بمصاحبة المختصين والمعنيين بشؤون الديانة والتأريخ الأيزيدي لتحليل تلك الرموز والنقوش وكشف حقائقها المهمة للأنسانية .
وأذ تتشبث الأيزيدية بتوحيدها الله الا يدل هذا انها تقف في الصف المعارض للشرك وانكار الربوبية والخلق ؟ ثم الا يعني هذا أنها من الديانات التي تعتمد على العقل والمنطق لأنها عرفت طريقه وتلمست أسلوب معرفتها للحياة من خلال مقدساتها وطقوسها التي لم تشذ فيها ولم تسلك الغريب والعجيب ؟ لذا فمن الواجب التقرب منها ومعرفة حقيقتها والسعي لنزع تلك الأحقاد التي زرعها أشخاص ابتلوا بأمراض الكراهية دون الفهم ، وتبلدت مشاعرهم بالكراهية دون معرفة ، وأضحت ضمائرهم ممسوحة واجتاحتهم مشاعر الحقد دون علم أو سبب ، ولذا يتوجب على بقية المهتمين ببقية الديانات من العلماء وكبار رجال الدين من كل الأديان السعي والعمل من اجل أشاعة روح التسامي والمحبة بين كل تلك الأديان وشمول الأيزيدية بهذه المساحة الأنسانية فهم أخوة الأنسانية .
وأذا كانت الأيزيدية تتمسك بالألتزام بمبدأ الحلول والتناسخ ، فأنها بذلك تلغي كل الأتهامات التي تريد ربطها بالسعي لأقامة الدولة الأموية الأسلامية ، لأن الأسلام ككيان لايؤمن بمسألة الحلول والتناسخ قد ورد في القرآن الكريم في سورة الأسراء (( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ، وما أوتيتم من العلم الا قليلا. )) كما ورد في سورة الفجر (( ياأيتها النفس المطمئنة أرجعي الى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي )) .
أن فكرة الحلول والتناسخ تعتمد على الأمور الروحية وفلسفة الموت والحياة ، وسبق أن التزمت بها بعض الديانات القديمة التي لم تكن تؤمن بنهاية الحياة ودورتها الجديدة ،وأنما تقمص الروح لجسد أخر وأعادة الدورة في بقاء الروح التي حلت بجسد آخر ، وأن الأسلام أسهب في تفصيل القضايا الروحية الا انه لم يكن من المؤمنين بعقيدة الحلول والتناسخ التي أخذت بها الأيزيدية وإنما جعل الروح من أمر الله، وهذا الأمر يجعل الأحتمال الذي يقول أن الأيزيدية خرجت من عباءة الأسلام غير مؤكد وبعيد عن الواقع .
والإنسان كما نعرف حريص على ما منع ، ولهذا فأنه يخوض غمار كل مجهول ويسلك القفار ويتجشم الصعاب في بغيته ، فقد تطلع الإنسان منذ أقدم العصور ليتعرف على مكامن أسرار الحياة و ليعرف تفاصيل كينونة روح آدم عليه السلام التي انحدر هو منها وكذا روح السيد المسيح الذي لم يأت من زواج وأتصال بين رجل وأمراءة ، وكانت قضية الموت والحياة وعودة الروح والتناسخ والتقمص من الأمور التي عالجتها الديانات القديمة والحديثة بشيء من الأهتمام والعمق ، بالنظر لكونهاتدخل في تفصيل الحياة اليومية للأنسان وما بقيت تشغله كل هذا الزمان دون ان يحل لغزها ويفكك أسرارها ، ولكونها من الأمور التي تقلبها العقول والأفئدة في كل الأديان ، ولما يشوبها من غموض وأسرار لاقدرة للأنسان العادي على تفكيكها والوصول الى حقيقتها المطلقة ، ولذا فأن الفلسفة الدينية أتخذت مسارات متعددة بين من تجد منها ان الروح من عند الله يمنحها للأنسان وتعود اليه ثم تنتهي لتبدأ دورة الحساب الذي ينتهي بالحساب الأكبر يوم الحشر ، وبين من يرى أن الحساب مؤجل وأن النهاية مؤجلة ، وبين من يجد أن الاجساد هي التي تبلى وتنتهي بينما تبقى الأرواح هائمة حتى تحل الأرادة الربانية بحلولها في جسد آخر تبعاً لأعمالها السابقة في الحياة الدنيا ، وبهذا الشكل تستعيد الحياة دورتها حتى تقوم الساعة .
ويرى البيروني أن الصوفية أخذوا من فكرة التناسخ حين قالوا : “الدنيا نفس نائمة ونفس يقظة.”( البيروني – المذاهب الصوفية، ص 32 -) يرى المعارضون أن هذه الحجج غير كافية وليس التناسخ يشبه الفناء لأن التناسخ معناه حلول الأرواح من جسد لآخر أما الفناء فيعني نهاية الجسد ورجوع الروح الى مستقرها .
ومن البديهي ان لايتعرف الناس على الموروث الشعبي لدى الأيزيدية ، أذ يرتبط ذلك الأمر بحالتهم القلقة وظروفهم العسيرة والمحنة التي مروا بها ، ولذا بقي الفولكلور الأيزيدي متحدداً وغير منتشر ، مع أن لكل أمة قيم وأعراف وتقاليد ، ولكل مجتمع قصائدة وامثاله وقصصه الشعبية التي تصور مآسية وافراحه وتجسد شجاعة أبناءه أو مواقفهم المتميزة وتطرح ادبه واشعاره ، ومن الجدير بالذكر أن كل ماذكر كان يتم التداول به بين أوساط الأيزيدية أنفسهم لم يتم نشره الا بشكل قليل ( أشير الى كتاب تقاليد القرية الايزيدية الذي كتبه خدر بير سليمان وترجمه عيدو بابا شيخ والمطبوع في لبنان 1998) كما أشير الى كتابات خيري شنكالي بهذا الخصوص .
أن للموسيقى ضمن الميثولوجيا الأيزيدية تأثيراً فعالاً بأعتبارها تمثل مصاحبة وجدانية في العديد من الطقوس والشعائر الدينية ، كطقوس الموت والفرح و الطقوس المتعلقة بالمطر والدعاء و الأحزان.
والمتعن ملياً في تأريخ العراق القديم وعلاقة المجتمعات القديمة بالموسيقى دينيا يدرك القواسم المشتركة بين الموسيقى والديانة الأيزيدية .
وبالرغم من الأرث الحضاري والأنساني والكبير في الجانب الأنثروبولوجي والفلكلوري الأيزيدي ، فقد بقي على حاله لم يستطع الكثير من الباحثين والكتاب أن يكتشفوا العلاقة الأزلية بين قدم هذه الأعراف والتقاليد والطقوس وبين هذه الديانة ، كما لم يجرأ اي كاتب آخر أن يوغل في الدخول الى أعماق الأيزيدية ومجاهلها لعدم وجود الفرصة التي تسنح له بالدخول اولا ، ولعدم وجود ما يسهل عملية الدخول ثانياً ، وبالنظر لكثرة المداخل التي تخص الحياة الأيزيدية وشؤونها وشجونها ما شغل الكتاب الأيزيديين الذين انشغلوا في قضية نشر حقائق ديانتهم والدفاع عن الأتهامات التي لحقت بها ردحاً طويلاً من الزمن ، مما ابعدهم عن معالجة هذا الجانب ثالثاً .
وليس اعتباطاً المحاولات التي طرحتها اغلب الديانات في المنطقة والتي تريد جر الأيزيدية تحت عبائتها ، فقد اشار العديد من الكتاب المسيحيين زاعمين أن الأيزيدية ما هي الا جزء من العقيدة المسيحيية ، وأن الأيزيديين مسيحيين ظلوا الطريق وسيعودون قريباً ، كما تم طرح العديد من المزاعم التي تحاول الأشارة الى كون الأيزيدية جزء من الأمة الآشورية وماهي الا محاولة لضم هذه الديانة تحت عباءة ديانة أخرى مهما كانت التبريرات والمزاعم ، مثلما أشار بعض من كتب عنهم كونهم ينتمون الى الديانة المندائية .
كما كتب العديد من المسلمين حول انحراف الأيزيدية عن الأسلام ، بأعتبارهم فرقة أسلامية أموية ، وان هذه الفرقة أخذت على عاتقها الدفاع والنضال عن بني أمية ، وتعمنل في سبيل استعادتهم للسلطة ، وأن الأيزيدية ماهم الا عرب اظلوا الطريق مما يوجب اعادتهم للحضيرة الأسلامية ولو عن طريق القوة والجبر وهو ما جر عليهم المآسي والأهوال .
كما زعمت الزرادشتية ان الأيزيدية فرقة منهم تستمد كل طقوسها واساسها الديني منها ، ومع تزامن الأيزيدية مع الديانة الزرادشتية وصمود الأولى مع الأجتياح والمد الذي لقيته الزرادشتية في المنطقة ، الا أن هذا الأمر يدل ببساطة كون الأيزيدية كانت موجودة في الزمن الزرادشتي ، ولسنا بصدد الجهات التي زعمت أن الأيزيدية منها ، وهي مزاعم تؤيد الوجود الحقيقي والعمق الفاعل للديانة الأيزيدية وهو الذي حدى بهذه الأديان لمحاولة ايهام الآخرين بأن الأيزيدية منها ، ودليلاً على قدم وعمق هذه الديانة ، لأن الديانات الهامشية والطرق الدينية والفرق الطارئة التي لاتستند على اساس متين لايقم احد بأن يتشرف بضمها اليه مالم تكن لها دلالتها وأسسها وأسبابها الذي يدعو لهذا الامر ، مما يوجب أن يتم النبش في أسس الأختلاف بين هذه الديانات وبين الأيزيدية التي لم تزل تتمسك ليس بقدمها فحسب بل بطقوسها وموروثها الذي يمثل القدم الغارق في العمق في المنطقة لحد اليوم حيث لم يزل اهالي المنطقة وما يجاورها يستعملون الطين ومسحوق الأحجار الكلسية في بناء بيوتهم وقباب مزاراتهم وقبورهم منها أسوة بما درج عليه أسلافهم من السكان القدماء ، غير أن ما يلفت النظر حقاً وجود الفتحات المثلثة التي تشير الى أتجاه مشرق الشمس في القبور في تلك القبور القديمة وتلك التي يتم تشييدها حديثاً لدى الأيزيدية ، مما يمكن الأعتقاد والدليل على أستمرار تلك الظاهرة العقائدية منذ فجر التاريخ تزامناً مع قدم الديانة الأيزيدية التي نمت في لالش وستنتهي مع نهاية الكون في لالش ايضاً كما تقول نصوصهم وديانتهم ، ولايمكن أن تكون متشكلة في منطقة أخرى .
وبهذا فأن المطلع على أحوال شعوب المنطقة يجد أن الأيزيديين لايمكن أن تكون جذورهم فارسية بالرغم من ظهور الديانة الزرادشتية التي انتشرت في بلاد فارس منذ العام 520 ق. م وحتى العام 642 ق. م والتي ربما تأثرت أو أثرت في الديانة الأيزيدية، ولم يذكر التاريخ أنسلاخ موجات بشرية أو انفصالها أو أي ترابط آخر مع المجتمعات الأخرى ، ولهذا فأن الكورد يعتزون بأنتساب الأيزيدية الى قوميتهم مثلما يتفاخر الأيزيدية بذلك ، ولم يثبت لحد اليوم أنتساب عشيرة عربية واحدة بين العشائر الكوردية التي تدين بالأيزيدية .
وأن العديد من علماء التأريخ والأنثربو لوجيا والآثار من يعتبر السومريين شعباً قدم من شمال بلاد الرافدين ( كوردستان الجنوبية ) حاملين معهم ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم التي نشروها في المنطقة ، كما أن العديد من الفخار الذي يتشابه في المنطقتين بالأضافة الى نقوش ورسوم تدل على أشجار لاتكون الا في مناطق كوردستان .
يتقرب الأيزيديون إلى الله مباشرة دون وسيط، وهم يعتقدون بأن الله موجود في كل شيء وأن الله عز و جلّ هو الخير ولا يمكن أن يخلق غير الخير ويمنح الرحمة لمن يشاء لأن الله هو الأساس والمخلوقات أجزاء من هذه الروح العليا، وأن الجزء تابع للكل، ولذلك فان تقديسهم للظواهر الكونية كالشمس والنور والقمر مبني على فكرة كون هذه الظواهر جزء من الذات والقدرة الإلهية التي يعجز عنها الشّر، وهي فكرة ذات إعتبار ومحل تقدير ، فأذا كانت هذه الفكرة تتطابق مع جميع الديانات الموجودة في المنطقة فأين يكمن التقاطع وأين تكمن الأختلافات ؟؟
وأذا كانت الديانة الأيزيدية من الديانات غير التبشيرية فما هو السبب الحقيقي لهذا الغلق وجعل الأيزيدي داخل دائرة صارمة ومغلقة ، واذا كنا نتفق أن الديانات جميعها جاءت لهداية الناس وتبصيرهم بالخالق والدعوة لألتزامهم بأوامر الخالق الكبير ، فما هو دور غير الأيزيدية في هذا المجال ، وليت الأمر يتوقف عن هذا الحد ، بل أن الأمر يتحدد نفسه بين الأيزيدية أنفسهم حيث يتم تقسيمهم الى طبقات وأبناء هذه الطبقات لايمكن لهم الزواج من طبقة غير طبقتهم الدينية ، وكذلك عدم زواج الأيزيدي من عائلة شيخه أو بيره أو مربيه ، ومن تزوج من خارج ديانته رجلاً كان أم امراءة ، يخرج من الديانة الأيزيدية ولاعودة له فيها ، ( نلاحظ الأختلاف بينهم وبين المسلمين الذين سمحوا للرجل المسلم أن يتزوج من المرأة الكتابية بينما حرم على المرأة المسلمة أن تتزوج حتى الرجل الكتابي ) ، وبالرغم من تغير الزمان وأنتشار الأيزيدية مهاجرين في أصقاع الأرض وعدم توفر مثل تلك الالتزامات الصارمة في دول المهجر ، لم تزل الأيزيدية رجالاً ونساءاً تعاني معاناة أنسانية كبيرة من هذا الجانب ، مما يوجب النبش والبحث في أساس كل تلك الأمور ومعرفة الأسس والغايات التي قامت عليها ومعالجتها معالجة انسانية بما لايخل بأسس الديانة ونصوصها المقدسة .
ولكون الأيزيدية تتشكل من مجموعة من العشائر الكوردية فأنها سكنت مناطق كوردستان ليس في العراق فحسب بل في كل الأجزاء المتبقية ، غير أن مايلفت النظر تكون هذه الديانات الموغلة في القدم في مناطق الاكراد ، فقد انتشرت الزرادشتية وقبلها الأيزيدية ، وانتشرت المذاهب الأسلامية والطرق كالكاكائية وأهل الحق في مناطق الكورد دون سواها ، ولكون الأمر يحتاج الى شيء من التدقيق والتوغل في الأسباب الكامنة وراء تلك الخصوصية لأن الأحاطة بموضوعة الاديان مسألة غاية في التشابك وأن الوصول الى غاية الدين أمر ليس بالسهل ويتصل بالمعاني الفلسفية والروحية للأنسان ، بالنظر للتحولات العقائدية في تحول الأنسان من الأعتقاد بألوهية الطواطم والرمزية الى الأسس الروحية والأعتقاد العقلي في الخلق والتكوين ، وأذا كان الأمر يتعلق بالتكوين الشخصي للأنسان الكوردي بأعتبار أن أول النشوء الأنساني كان في مناطق سكن الكورد فقد تنامى الوضع الأنساني لهذا المجتمع تدريجيا مع تطور الحياة الأنسانية وتطور العقائد معها .
وأذا كانت تلول حرمل وتلول شمشارا في كوردستان تشير الى التواجد الأنساني قبل عشرة الاف سنة قبل الميلاد ، فأن تلول المغزلية الواقعة على سفوح جبل سنجار تم اكتشاف جماجم بشرية كانت تسكن المنطقة قبل 7500 قبل الميلاد ، مع وجود نقوش وأحجار ، ولم يسكن هذه التلول حتى اليوم سوى الأيزيدية .
كما أن التشابه بين أسم الأيزيدية وبين كلمة ( يزدان ) حيث تنسب الى منطقة يزد في أيران وهي من مناطق الزرادشتية بل وهي مركز للديانة المذكورة ، وبين معناها حيث يقول الباحث أمبسن أنها تعني الروح الطيبة ، وبين ( ئيزي ) والتي تعني أنها أسم من أسماء الله خالق الكون والبشر .
ومن الجدير بالذكر كون المنطقة تتميز بالعديد من الديانات والمذاهب ، غير أن الأيزيدية تشكل الديانة الثالثة في العراق بعد الديانتين الأسلامية والمسيحية ، والثانية في أقليم كوردستان العراق .

الحوار المتمدن/ العدد 1525/  2006-4-19

رابط مختصر للمقالة: http://kurd.ws/Z1Llo

تابعنا على أخبار جوجل

متابعة

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.